الشيطان وما كفروا ، فالاستثناء على هذا من فاعل « لا تبعتم » ، وقيل : يجوز أن يكون الاستثناء من فاعل « أذاعوا به » ، أي أذاعوه « 1 » إلا قليلا لم يذعه ، وهم المؤمنون « 2 » .
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 84 ]
فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً ( 84 )
قوله
( فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ )
عطف على قوله
« وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ »
« 3 » ، نزل حين أراد الرسول عليه السّلام أن يخرج إلى بدر الصغرى لحرب أبي سفيان فكره ذلك بعض المسلمين « 4 » فأمر اللّه نبيه بأن يخرج وإن كان وحده « 5 » ، وقال
( لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ )
أي لا تكلف شيئا إلا أن تقدم « 6 » نفسك إلى الجهاد ، فان اللّه ناصرك لا الجنود كما ينصرك وحولك الألوف
( وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ )
على الجهاد
( عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ )
أي يمنع
( بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا )
أي شدتهم وحربهم
( وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً )
أي قوة من قريش
( وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا )
[ 84 ] أي عقوبة في الآخرة من عقوبة الكفار في الدنيا ، فخرج رسول اللّه بسبعين « 7 » راكبا ولو لم يخرجوا معه لخرج وحده امتثالا لأمر اللّه ، فكف اللّه بأسهم بتخلف أبي سفيان عن الخروج إلى بدر الصغرى تلك السنة ، لأنه تعالى قذف في قلبه الخوف من حرب النبي عليه السّلام .
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 85 ]
مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ( 85 )
ثم قال
( مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً )
لدفع شر في الإسلام أو لطلب منفعة مع جوازها شرعا ويبتغي بها « 8 » وجه اللّه ، وقيل : هي الإصلاح بين الناس « 9 » والسعي للتجاوز عن ذنب التائب فيما ليس بحد من حدود اللّه
( يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ )
أي حظ
( مِنْها )
أي من أجل الشفاعة الحسنة في الآخرة ، قال عليه السّلام : « إشفعوا إلي تؤجروا » « 10 » ، قيل : « الشفاعة تجري أجرها لصاحبها ما جرت منفعتها » « 11 »
( وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً )
أي قبيحة في الإسلام كظلم للغير بأخذ حق ومنع حق من حقوق اللّه أو من حقوق الناس بلا رضى منهم وأخذ رشوة في ذلك وغيره مما لا يجوز شرعا
( يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ )
أي شدة
( مِنْها )
أي لأجل الشفاعة السيئة في الآخرة ، واشتقاق الكفل من الكفل لمشقة الركوب عليه ، ثم استعير للحمل على كل شدة ، وقيل : معناه النصيب كقوله
« يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ »
« 12 » ، وقيل : الشفاعة الحسنة هي الدعوة للمسلم بالخير ، لأنها في معنى الشفاعة إلى اللّه « 13 » ، والشفاعة السيئة هي الدعاء بالشر عليه ، قال عليه السّلام : « من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب استجيب له » « 14 » ، وقال له الملك ولك مثل ذلك
( وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً )
[ 85 ] أي حافظا له بقوته واقتداره ، لا يغفل عنه ولا يغيب .
[ سورة النساء ( 4 ) : آية 86 ]
وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً ( 86 )
( وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ )
أي إذا أهدى إليكم بهدية
فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها )
أي فأهدوا إلى صاحبها بأفضل منها
( أَوْ رُدُّوها )
أي كافؤها بمثلها ، وهذا المعنى مروي عن أبي حنيفة رضي اللّه عنه « 15 » ، وأكثر المفسرين قالوا : معناه إذا
هامش
( 1 ) أذاعوه ، ب م : أذاعوا ، س ؛ وانظر أيضا ابغوي ، 2 / 116 .
( 2 ) لعله اختصره من البغوي ، 1 / 166 .
( 3 ) النساء ( 4 ) ، 75 .
( 4 ) المسلمين ، س م : المؤمنين ، ب ؛ وانظر أيضا السمرقندي ، 1 / 372 .
( 5 ) أخذه المؤلف عن السمرقندي ، 1 / 372 ؛ وانظر أيضا البغوي ، 2 / 116 ؛ والكشاف ، 1 / 260 .
( 6 ) تقدم ، ب س : يقدم ، م .
( 7 ) بسبعين ، ب م : مع سبعين ، س .
( 8 ) ويبتغي بها ، ب م : وسعي بها ، س .
( 9 ) عن ابن عباس ، انظر البغوي ، 2 / 117 .
( 10 ) انظر البغوي ، 2 / 117 .
( 11 ) عن الحسن ، انظر السمرقندي ، 1 / 372 .
( 12 ) الحديد ( 57 ) ، 28 . أخذه عن السمرقندي ، 1 / 372 - 373 .
( 13 ) أخذ المصنف هذا المعنى عن الكشاف ، 1 / 260 .
( 14 ) روى الترمذي نحوه ، البر ، 50 ؛ وابن ماجة ، المناسك ، 50 .
( 15 ) انظر السمرقندي ، 1 / 373 .