تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عرفة — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
أفرد السمع وجمع الأبصار ، إما لأن السمع مصدر يقع على القليل والكثير من جنسه فلا يثنى ولا يجمع ، وإما لعمومه في جميع الجهات من غير حاجة إلى زيادة معه ، لأن الإنسان يسمع كلام من خلفه وفوقه وتحته ويمينه وشماله من غير أن يقبل إلى تلك الجهة ، بخلاف البصر لا يبصر إلا من هو أمامه ، ويحتاج في إبصاره من خلفه إلى حالة أخرى ، وهي تكلف الانتقال إلى تلك الجهة ، أو لأن الغالب تساوي في السمع وعدم تساويهم في الإبصار ، وتكرر ذكر السمع والبصر في القرآن في مواضع في سورة الأنعام ، وفي النحل ، وفي الإسراء ، وفي السجدة في موضعين ، وفي الجاثية في غير موضع ، فإن قلت : تقديم الأبصار على الأفئدة دليل على أنه سلك في الآية مسلك الترقي ، قلت : إنما قدم السمع والبصر عليهما لأنهما مقدمان في الوجود ، لأن الأفئدة إنما ذكرت من حيث التعقل بها والتفكر والتصغير ، فيسمع ويبصر ولا يعقل شيئا ، فإن قلت : قد ذكر الفخر ، والأصوليون أن المحسوسات فرع المعقولات ، فلا يبصر الإنسان الشيء أو يسمعه حتى يتعقله ، والأصل مقدم فلم أخره عنه ، فالجواب : إذا المعقولات على قسمين : فالأمر الضروري منها البديهي متقدم على المحسوسات ، والنظري منها المحتاج إلى الفكر والتأمل متأخر عن المحسوسات . قوله تعالى :
قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ
. إن أريد العموم في المسلمين والكافرين ، فالتقليل على حقيقته ، وإن أريد الخصوص بالكفار فالتقليل بمعنى العدم ، مثل مررت بأرض قل ما تنبت البقلاء . قوله تعالى :
ذَرَأَكُمْ
. الذرأ ثاني رتبة عن الخلق . قوله تعالى :
مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
. سماه وعد مع أنه وعيد ، إما لأنهم يسألون المؤمنين عن الثواب الذي يناله المؤمنون متى يكون ، وإما وعد للمؤمنين وتبشير لهم بنصرهم عليهم ، أي هذا الذي بشرتم به من نصركم علينا متى هو . قوله تعالى :
سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا
. المراد بالوجوه إما الحقيقة ، والمراد أنهم نالهم [ 79 / 394 ] عذاب حقيقي تغيرت منه وجوههم فقط لمعاينته دون الحلول فيه ، وإما مجاز عن زوالهم كلها فيكون العذاب حسيا في جميع أبدانهم ، أي لما عاينوه نالهم دخانه وسراره ، وغالب