تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
لزيادتهم في المكابرة فقال :
لَعَلى خُلُقٍ
ولما أفهم السياق التعظيم ، صرح به فقال :
عَظِيمٍ *
وهو الإسلام الذي دعا إليه القرآن ، لا بالبلاء ينحرف ، ولا بالعطاء ينصرف ، لأن خلقه - بشهادة أعرف الناس به زوجه أم المؤمنين الصديقة عائشة بنت الصديق أبي بكر رضي اللّه عنهما - القرآن ، فلا يتحرك ولا يسكن إلا بأمره ونهيه ، فهذا الخلق نتيجة الهدى والهدى نتيجة العقل ، وهو سبب السعادة ، فأفهم ذلك عدم سعادتهم لعدم عقولهم ، وقال الواسطي : أظهر اللّه قدرته في عيسى عليه الصلاة والسّلام ونفاذه في آصف ، وسخطه وقهره في عصى موسى عليه الصلاة والسّلام وأطهر أخلاقه ونعوته في محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فكان متخلقا بأخلاق اللّه تعالى والتخلق بأخلاقه أن ينزه علمه عن الجهل وجوده عن البخل وعدله عن الظلم وحلمه عن السفه ، واعلم أن الخلق والخلق صورتان : الخلق صورة الظاهر ، والخلق صورة الباطن ؛ فتناسب الأعضاء الظاهرة يعبر به عن الخلق الحسن ، وتناسب المعاني الباطنة يعبر به عن الخلق الحسن ، ثم الخلق الحسن تارة مع اللّه ، وتارة مع حكم اللّه ، وتارة مع الخلق ، فمع اللّه بالتعظيم والإجلال ومع حكمه بالصبر في الضراء والبأساء والشكر في الرخاء والامتثال للأوامر والانزجار عن النواهي عن طيب قلب مسارعة وسماحة ، وحسن الخلق مع الخلق بث النصفة في المعاملة وحسن المجاملة في العشرة ، روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « الخلق وعاء الدين ، لأن من الخلق يخرج الدين ، وهو الخضوع والخشوع وبذل النفس للّه واحتمال المكروه » « 1 » . ولما كان الإسلام أشرف الأديان ، أعطاه اللّه تعالى أقوى الأخلاق وأشرفها وهو الحياء كما روي أن لكل دين خلقا وخلق الإسلام الحياء ، ومن الحياء حياة القلب ، فكان صلّى اللّه عليه وسلّم يأخذ العفو ويأمر بالعرف ويعرض عن الجاهلين ولا يجزي بالسيئة السيئة لكن يعفو ويصفح ويحسن مع ذلك ويجذب بردته حتى يؤثر في عنقه فيلتفت وهو يضحك ويقضي حاجة الجاذب ويحسن إليه ، فقد اشتمل الكلام التدبيري المشار إليه بالنون والقضاء الكلي التأثيري المشار إليه بالقلم والقدر المبرم التفصيلي الواقع على وقف القضاء المشار إليه بالسطر ، ومثال ذلك أن من أراد بناء دولاب احتاج أولا إلى مهندس يدبر له بعلمه موضع البئر والمدار وموضع المحلة وموضع السهم وموضع الجداول ، ونحو ذلك وهو الحكم التدبيري ، وثانيا إلى صانع يحفر البئر ويبني ونجار يركب الأخشاب على وفق حكمة المهندس ، وهو القضاء التأثيري ، وثالثا إلى إقامة الثور في
هامش
( 1 ) لم أجده .