الْعِلْمُ
أي المحيط من جميع الوجوه بما سألتم عنه من تعيين زمان هذا الوعد وغيره ، ولأجل إظهار فضل العلم اللازم من كماله تمام القدرة صرف القول عن عموم الرحمة إلى إفهام العموم المطلق بالاسم الأعظم فقيل :
عِنْدَ اللَّهِ
أي الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال ، فهو الذي يكون عنده وبيده جميع ما يراد منه ، لا يطلع عليه غيره ، وهيبته تمنع العالم بما له من العظمة أن يجترىء على سؤاله عما لم يأذن فيه ، وعظمته تقتضي الاستئثار بالأمور العظام ، وإلى ذلك يلوح قوله تعالى :
وَإِنَّما أَنَا
ولما كان السياق للتهويل والتخويف ، وكانت النذارة يكفي فيها تجويز وقوع المنذور به فكيف إذا كان مظنونا فكيف إذا كان معلوم الوقوع في الجملة ليكون العاقل متوقعا له في كل وقت قال :
نَذِيرٌ
أي كامل في أمر النذارة التي يلزم منها البشارة لمن أطاع النذر لا وظيفة لي عند هذا الملك الأعظم غير ذلك ، فلا وصول لي إلى سؤاله عما لا يأذن لي في السؤال عنه .
ولما كان النذير قد لا يقدر على إقامة الدليل على ما ينذر به لأنه يكفي العاقل في قبوله غلبة الظن بصدقه بل إمكان صدقه في التحرز عما ينذر به ، بين أنه ليس كذلك فقال :
مُبِينٌ *
أي كاشف للنذري غاية الكشف بإقامة الأدلة عليها حتى تصير كأنها مشاهدة لمن له قبول للعلم .
ولما كان ما ينذر به لا بد من وقوعه ، وكان كل آت قريبا ، عبر عن ذلك بالفاء والماضي فقال صارفا العقول إلى الإعراض لأن وقت الرؤية للعذاب في غاية المناسبة للإهانة :
فَلَمَّا رَأَوْهُ
أي الوعد بانكشاف الموعود به عند كونه ، وحقق معنى الماضي والفاء بقوله :
زُلْفَةً
أي ذا قرب عظيم منهم ، وذلك بالتعبير عن اسم الفاعل بالمصدر إبلاغا في المعنى المراد وأكد المبالغة بالتاء لأنها ترد للمبالغة إذا لم يرد منها التأنيث ، ولا سيما إن دلت قرينة أخرى على ذلك .
ولما كان المخوف في النذري الوقوع في السوء لا بقيد كونه من معين قال :
سِيئَتْ
ولما كان السوء يظهر في الوجه قال :
وُجُوهُ
وأظهر في موضع الإضمار تعميما وتعليقا للحكم بالوصف فقال :
الَّذِينَ كَفَرُوا
أي ظهر السوء وغاية الكراهة في وجوه من أوقع هذا الوصف ولو على أدنى وجوه الإيقاع وعلتها الكآبة .
ولما كان لا أوجع من التبكيت عند إحاطة المكروه من غير حاجة إلى تعيين فاعله ، بنى للمفعول قوله :
وَقِيلَ
أي لهم تقريعا وتوبيخا :
هذَا الَّذِي
أي تقدم من عنادكم ومكركم واستكباركم
كُنْتُمْ
أي جبلة وطبعا
بِهِ
أي بسببه ومن أجله ، وصرف القول إلى الخطاب لأن التقريع به أنكأ في العذاب :
تَدَّعُونَ *
أي تطلبون