تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 564

مساهمون:

ص٥٦٤
عمر رضي اللّه عنه عند نزول آية المائدة ، وعلل بهذا - واللّه الهادي ، وقد ظهر بهذا أن حاصلها الإيذان بكمال الدين ودنو الوفاة لخاتم النبيين ، والنصر على جميع الظالمين الطاغين الباغين ، وذلك من أعظم مقاصد المائدة ، المناظرة لهذه في التطبيق بين البادئة والعائدة ، كما أشار إليه قوله تعالى :
الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
[ المائدة : 3 ] وقوله تعالى :
وَمَنْ
يتولى
اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ
[ المائدة : 56 ] وقوله تعالى :
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ المائدة : 120 ] ومن أعظم لطائف هذه السورة ودقيق بدائعها ولطيف منازعها أن كلماتها تدل بأعدادها على أمور جليلة وأسرار جميلة ، فإنها تسع عشرة كلمة ، وقد كان في سنة تسع عشرة من الهجرة موت قيصر طاغية الروم ، وذلك أن عمرو بن العاص رضي اللّه تعالى عنه لما فتح الإسكندرية قال قيصر : لئن غلبونا على الإسكندرية لقد هلكت الروم ، فتجهز ليباشر قتالهم بنفسه ، فعندما فرغ من جهازه صرعه اللّه فمات وكفى اللّه المسلمين شره ، وذل الروم بذلك ذلا كبيرا ، واستأسدت العرب ، وفي هذه السنة أيضا فتح اللّه قيسارية من بلاد الشام فلم يبق بالشام أقصاها وأدناها عدو ، وفرح المسلمون بذلك فرحا شديدا ، وكان فيها أيضا فتح جلولاء ، من بلاد فارس ، وكان فتحها يسمى فتح الفتوح ، لأن الفرس لم ينجبروا بعده ، هذا إن عددنا ما يوازي كلماتها من سنة الهجرة ، وإن عددنا من سنة نزول السورة في سنة عشر فقد فتحت سنة تسع وعشرين من الهجرة - وهي التاسعة عشرة من نزولها - مدينة إصطخر ، واشتد ضعف الفرس ، وأمر ملكهم يزدجرد واجتهاده في الهرب من العرب حتى قتل سنة إحدى وثلاثين من الهجرة بعد ذلك بسنتين ، وذلك هو العد الموازي لعد كلماتها ظواهر وضمائر مع كلمات البسملة ، وإذا نظرت إلى ما هنا من هذا وطبقت بينه وبين ما ذكر في سورة الفتح من مثله زاد عجبك من باهر هذه الآيات - واللّه الموفق ، ثم إنك إذا اعتبرت اعتبارا آخر وجدت هذه السورة كما دلت بجملتها على انقضاء زمن النبوة بموت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم دلت بمفردات كلماتها على انقضاء خلافة النبوة لتمام ثلاثين سنة كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه عن سفينة مولى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ورضي عنه « خلافة النبوة ثلاثون ، ثم يؤتي اللّه الملك من يشاء » « 1 » وذلك أنك إذا عددت
هامش
( 1 ) أخرجه أحمد 5 / 221 وأبو داود 4646 والترمذي 2226 والنسائي في الفضائل 52 وابن حبان 6657 والطيالسي 1107 والطبراني في الكبير 6442 والبيهقي في الدلائل 6 / 342 والحاكم 3 / 145 عن سفينة مولى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ورضي عنه .
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 564 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي