تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 555

مساهمون:

ص٥٥٥
يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ
فبين سبحانه أن من قضي عليه بالكفر والوفاة عليه لا سبيل له إلى خروجه عن ذلك ، ولا يقع منه الإيمان أبدا
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الأنعام : 111 ] ولو أنهم بعد عذاب الآخرة ومعاينة العذاب والبعث وعظيم تلك الأهوال وسؤالهم الرجوع إلى الدنيا وقولهم :
رَبَّنا
فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً
غير الذي كنا نعمل [ السجدة : 12 ] فلو أجيبوا إلى هذا ورجعوا لعادوا إلى حالهم الأول
وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ
[ الأنعام : 128 ] تصديقا لكلمة اللّه وإحكاما لسابق قدره
أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ
[ الزمر : 19 ] فقال لهم :
لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ
إلى آخرها ، فبان أمر الفريقين وارتفع الإشكال ، واستمر كل على طريقه
فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ
عليم
حَسَراتٍ
[ فاطر : 8 ]
إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ
[ الشورى : 48 ] فتأمل موقع هذه السورة وأنها الخاتمة لما قصد في الكتاب يلح لك وجه تأخيرها - واللّه أعلم - انتهى . ولما كان القصد إعلامهم بالبراءة منهم من كل وجه ، وأنه لا يبالي بهم بوجه لأنه محفوظ منهم ، قال مؤذنا بصدق خبره تعالى آخر الكوثر من حيث إنه مع الجزم بالمنابذة لا يستطيعون له نوع مكابدة نافذة ، بادئا بالبراءة من جهته لأنها الأهم :
لا أَعْبُدُ
أي الآن ولا في مستقبل الزمان لأن
لا
للمستقبل و
ما
للحال ، كذا قالوا ، وظاهر عبارة سيبويه في قوله : ( لن ) نفي لقوله : سيفعل ( ولا ) لقوله : يفعل ، ولم يقع : أنها تقع للمضارع الذي لم يقع سواء كان في غاية القرب من الحال أم لا ، كما نقلته عنه في أول البقرة عند
وَلَنْ تَفْعَلُوا
[ البقرة : 24 ] على أن نطقنا بهذا الكلام لا يكاد يتحقق حتى يمضي زمن فيصير مستقبلا ، فلذا عبر ب « لا » دون « ما » بشارة بأنه سبحانه يثبته على الصراط المستقيم ، ولا يظفرهم به - علما من أعلام النبوة . ولما كان في معبوداتهم ما لا يعقل ، وكان المقصود تحقير كل ما عبدوه سوى اللّه ، عبر ب « ما » فقال :
ما تَعْبُدُونَ *
أي الآن وفي آتي الزمان من دون اللّه من المعبودات الظاهرة والباطنة بوجه من وجوه العبادة في سر ولا علن لأنه لا يصلح للعبادة بوجه . ولما بدأ بما هو الأحق بالبداءة وهو البراءة من الشرك ، والطهارة من وضر الإفك ، لأنه من درء المفاسد ، فأبلغ في ذلك بما هو الحقيق بحاله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكانوا هم يعبدون اللّه تعالى على وجه الإشراك ، وكانت العبادة مع الشرك غير معتد بها بوجه ، نفى عبادتهم له في الجملة الاسمية الدالة على الثبات لا في الفعلية الدالة على نفي كل قليل
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 555 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي