تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 549

مساهمون:

ص٥٤٩
لأحد عليك
وَانْحَرْ *
أي أنفق له الكوثر من المال على المحاويج خلافا لم يدعهم ويمنعهم الماعون لأن النحر أفضل نفقات العرب لأن الجزور الواحد يغني مائة مسكين ، وإذا أطلق العرب المال انصرف إلى الإبل ، ولذا عبر عن هذا المراد بالنحر ليفهم الزجر عما كانوا يفعلونه من الذبح للأوثان ، ومن معناه أيضا أظهر الذل والمسكنة والخشوع في الصلاة بوضع اليمنى على اليسرى تحت النحر هيئة الذليل الخاضع ، وقد قابل في هذا أربعا من سورة الدين بأربع ، وهي البخل بالإعطاء ، وإضاعة الصلاة بالأمر بها ، والرياء بالتخصيص بالرب ، ومنع الزكاة بالنحر . ولما أمره باستغراق الزمان في عبادة الخالق ، والإحسان إلى الخلائق بأعلى الخلائق ، علله بما حاصله أنه لا شاغل له ولا حاجة أصلا تلم به فقال :
إِنَّ شانِئَكَ
أي مبغضك والمتبرىء منك والمستهين بك مع ما أوتيت من الجمال ، والخصال الفاضلة والكمال
هُوَ
أي خاصة
الْأَبْتَرُ *
أي المقطوع من أصله والمقطوع النسل والمعدم والمنقطع الخير والبركة والذكر ، لا يعقبه من يقوم بأمره ويذكر به وإن جمع المال ، وفرغ بدنه لكل جمال ، وأنت الموصول الأمر ، النابه الذكر ، المرفوع القدر ، فلا تلتفت إليهم بوجه من الوجوه ، فإنهم أقل من أن يبالي بهم من يفرغ نفسه للفوز بالمثول في حضراتنا الشريفة ، والافتخار بالعكوف في أبوابنا العالية المنيفة ، لك ما أنت عليه ، ولهم ما هم فيه ، فالآية الأخيرة النتيجة لأن من الكوثر علو أمره وأمر محبيه وأتباعه في ملكوت السماء والأرض ونهر الجنة وسفول شأن عدوه فيهما ، فقد التف كما ترى مفصلها بموصلها ، وعرف آخرها من أولها ، وعلم أن وسطاها كالحدود الوسطى معانقة للأولى بكونها من ثمارها ، ومتصلة بالأخرى لأنها من غايات مضمارها ، وقد صدق اللّه ومن أصدق من اللّه قيلا ، لم يبق لأحد من مبغضيه ذكر بولد ولا تابع ، ولا يوجد لهم شاكر ولا مادح ولا رافع ، وأما هو صلّى اللّه عليه وسلّم فقد ملأت ذريته من فاطمة الزهراء الأرض ، وهم الأشراف مع مبالغة الملوك في قتلهم ، وإخلاء الأرض من نسلهم ، خوفا من شرفهم العالي على شرفهم ، ورفعتهم بالتواضع الغالب لصلفهم ، وإذا راجعت آية
ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ
[ الأحزاب : 40 ] من الأحزاب علمت أن توفي بنيه عليهم السّلام قبله من إعلاء قدره ومزيد تشريفه بتوحيد ذكره ، وأما اتباعه فقد استولوا على أكثر الأرض وهم أولو الفرقان ، والعلم الباهر والعرفان ، ويؤخذ منها أن من فرغ نفسه لربه أهلك عدوه وكفاه كل واحد منهم ، وقد علم أن حاصل هذه السورة المن عليه صلّى اللّه عليه وسلّم بالخير العظيم الذي من جملته النهر المادّ من الجنة في المحشر المورود لمن اتبعه ، الممنوع ممن تأبى عنه وقطعه ، وأمره بالصلاة والنحر للتوسعة على