دل على طغيانه مخوفا من عواقب الرجعى في أسلوب التقرير لأنه أوقع في النفس وأروع للّب لأن أبا جهل قال : « لئن رأيت محمدا يعفر وجهه لأفضخن رأسه بصخرة ، فجاء ليفعل ما زعم فنكص على عقبيه ويبست يداه على حجره فسئل عما دهاه ، فقال :
إن بيني وبينه لهولا وأجنحة ، وفي رواية : لخندقا من النار ، وفي رواية : لفحلا من الإبل ، فما رأيت مثله ، ولو دنوت منه لأكلني » وأصل الحديث في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، فقال :
أَ رَأَيْتَ
تقدم في الأنعام أن هذا الفعل إذا لم يكن بصريا كان بمعنى أخبر ، فالمعنى : أخبرني هل علمت بقلبك علما هو في الجلاء كرؤية بصرك
الَّذِي يَنْهى *
أي على سبيل التجديد والاستمرار .
ولما كان أفحش ما يكون صد العبد عن خدمة سيده ، قال معبرا بالعبودية منكرا للمبالغة في تقبيح النهي والدلالة على كمال العبودية :
عَبْداً
أي من العبيد
إِذا صَلَّى *
أي خدم سيده الذي لا يقدر أحد أن ينكر سيادته بإيقاع الصلاة التي هي وصلته به ، وهي أعظم أنواع العبادة لأنها مع كونها أقرب وصلة إلى الحق انقطاع وتجرد بالكلية عن الخلق ، فكان نهيه له عن ذلك نهيا عن أداء الحق لأهله حسدا أو بغيا ، فكان دالّا على أن من طبع أهل كل زمان عداوة أهل الفضل وصدهم عن الخير لئلا يختصوا بالكمال .
[ سورة العلق ( 96 ) : الآيات 11 إلى 19 ]
أَ رَأَيْتَ إِنْ كانَ عَلَى الْهُدى ( 11 ) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوى ( 12 ) أَ رَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 13 ) أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرى ( 14 ) كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ( 15 )
ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ ( 16 ) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ( 17 ) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ( 18 ) كَلاَّ لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ( 19 )
ولما كان هذا أمرا خارجا عن الحد في الطغيان ، وكان السؤال إنما هو عن رؤية حاله في نهيه العبد عن الصلاة ، لا عن رؤية ذاته ، فتشوف السامع إلى معرفة ذلك الحال ، كرر التقرير بزيادة التعجيب من حاله والتحذير ، فقال مكررا العامل زيادة في التأكيد وبيانا لأن هذا في الحقيقة أول السؤال عن الحال :
أَ رَأَيْتَ
أي أخبرني عن حاله
إِنْ كانَ
أي هذا الناهي ، وعبر بأداة الاستعلاء إشارة إلى أنه في غاية الثبات والتمكن فقال :
عَلَى الْهُدى *
أي الكامل في الهداية فكف عن نهي هذا المصلي عن خدمة مولاه الذي هو معترف بسيادته وإن ادعى كذبا أن له شريكا كما أنه لا ينهى عن السجود للأصنام .
ولما ذكر ما لعله يكون عليه في تكميل نفسه ، ذكر ما لعله يعانيه من إنجاء غيره فقال :
أَوْ أَمَرَ
أي ذلك الناهي
بِالتَّقْوى *
أي التي هي عماد الدين ، وهي عمارة