تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦
لإرشاد السياق إليه وتعويل المعنى عليه ، وتهويلا له مع العلم بأنه لا يكون قسم بغير مقسم عليه ، وكان قد علمت القدرة عليه مما أشير إليه بالمقسم به ، أوضح تلك القدرة بأمر العذاب الأدنى - للأمم الماضية ، فقال مخاطبا لمن قال له في آخر تلك
فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ
[ الغاشية : 21 ] تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم وإشعارا بأنه لا يتدبره حق تدبره غيره ، وتهديدا لمن كذب من قومه :
أَ لَمْ تَرَ
أي تنظر بعين الفكر يا أشرف رسلنا فتعلم علما هو في التيقن به كالمحسوس بالبصر ، وعبر بالاستفهام إشارة إلى أن ما ندبه إلى رؤيته مما يستحق أن يسأل عنه :
كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ
أي المحسن إليك بإرسالك ختاما لجميع الأنبياء بالأمم الماضية بما شاركوا به هؤلاء من تكذيب الرسل وجعل محط نظرهم الدنيا ، وعملوا أعمال من يظن الخلود ، وبدأ بأشدهم في ذلك وأعتاهم الذين قالوا : من أشد منا قوة ؟ فقال :
بِعادٍ *
أي الذين بلغوا في الشدة أن قالوا : من أشد منا قوة ؟ وقال لهم نبيهم هود صلّى اللّه عليه وسلّم :
وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ
[ الشعراء : 129 ] ودل على ذلك بناؤهم جنة في هذه الدنيا الفانية التي هي دار الزوال ، والقلعة والارتحال ، والنكد والبلاء والكدر ، والمرض والبؤس والضرر ، فقال مبينا لهم على حذف مضاف :
إِرَمَ
أي أهلها وعمدتها ، وأطلقها عليهم لشدة الملابسة لما لها من البناء العجيب والشأن الغريب ، ثم بينها بقوله :
ذاتِ
أي صاحبة
الْعِمادِ *
أي البناء العالي الثابت بالأعمدة التي لم يكن في هذه الدار مثلها ، ولذا قال :
الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ
أي يقدر ويصنع - بناه للمفعول إرادة للتعميم
مِثْلُها
يصح أن يعود الضمير على « عاد » باعتبار القبيلة ، وعلى « إرم » باعتبار البلدة ، وأوضح هذا بقوله معمما للأرض كلها :
فِي الْبِلادِ *
أي في بنائها ومرافقها وثمارها ، وتقسيم مياهها وأنهارها ، وطيب أرضها وحسن أطيارها ، وما اجتمع بها مما يفوت الحصر ويعجز القوى ، ولا مثل أهلها الذين بنوها في قوة أبدانهم وعظيم شأنهم وغير ذلك من أمورهم ، وكان صاحبها شداد قد ملك المعمورة كلها فتحيزها فبناها في برية عدن في ثلاثمائة سنة يضاهي بها الجنة على ما زعم - قلوب ضلت وأضلت وأضلها باريها - قال أبو حيان : على أوصاف بعيد أو مستحيل عادة أن يكون في الأرض مثلها ، فلما تمت على ما أراد قصدها للسكن وعمره إذ ذاك تسعمائة سنة ، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث اللّه عليهم صيحة من السماء فأهلكهم فكانوا كأمس الذاهب ، وأخفى مدينتهم فلم يرها أحد إلا عبد اللّه بن قلابة ، خرج في طلب إبل ضلت له على زمن معاوية رضي اللّه عنه فوقع عليها ، ولما خرج منها وانفصل عنها خفيت عنه ، وكان قد حمل معه بعض ما رأى فيها من اللؤلؤ والمسك والزعفران فباعه ، وسمع به معاوية رضي اللّه عنه فأرسل إليه فحدثه ، فأرسل ،