تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
والسماء تشبه الأرواح القدسية النورانية ، والجبال تشبه العقول والمعارف الثابتة الراسخة ، والأرض تشبه البدن المشتمل على الأعضاء والأركان . ولما كانت هذه السورة مكية من أوائل ما أنزل ، وكان مأمورا إذ ذاك بالصفح قال :
إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ *
أي لا مقاتل قاهر قاسر لهم على التذكر والرجوع ، فلا عليك إن لم ينظروا ولم يتذكروا لأنه ما عليك إلا البلاغ ، ولذلك قال
لَسْتَ
وأشار إلى القهر بأداة الاستعلاء فقال :
عَلَيْهِمْ
أي خاصة
بِمُصَيْطِرٍ *
أي بمتسلط ، وأما غيرهم فسنسلطك عليهم عن قريب ، وقرأها الكسائي بالسين على الأصل .

[ سورة الغاشية ( 88 ) : الآيات 23 إلى 26 ]

إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ( 23 ) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ ( 24 ) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ ( 25 ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ ( 26 ) ولما نفى عنهم تسلط الدنيا ، وكان التقدير : فمن أقبل وآمن فإن اللّه ينعمه النعيم الأكبر ، قال مستدركا قسيمهم في صورة الاستثناء :
إِلَّا
أي لكن
مَنْ تَوَلَّى
أي كلف نفسه المطمئنة وفطرته الأولى المستقيمة للإعراض
وَكَفَرَ *
أي وأصر على كفره ، وأجاب الشرط بقوله مسببا عنه :
فَيُعَذِّبُهُ
أشد العذاب الذي لا يطيقه أصلب الحديد ولا أشد الجبال
اللَّهُ
أي الملك الأعظم بسبب تكبره على الحق ومخالفته لأمرك المطاع ومرادك الذي كله الحسن الجميل ، ولعله صوره وهو منقطع بصورة المتصل بالتعبير بأداته إشارة إلى أن العذاب من اللّه عذاب منه صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأن سببه تكذيبهم له ، وقرأ ابن عباس رضي اللّه عنهما « ألا » بالفتح والتخفيف على أنها استفتاحية
الْعَذابَ الْأَكْبَرَ *
يعني عذاب الآخرة ، ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا فيكون المعنى : أن من أصر على الكفر يسلطه اللّه عليه فيقتله فيعذبه اللّه في الدار الآخرة ، ثم علل إخباره عن عذابه في الآخرة بقوله مؤكدا لما لهم من التكذيب :
إِنَّ إِلَيْنا
أي خاصة بما لنا من العظمة والكبرياء
إِيابَهُمْ *
أي رجوعهم وإن أبوا بالموت ثم بالبعث ثم بالحشر . ولما كان الحساب متأخرا عن ذلك كله ، وعظيما كما وكيفا ، عظمه بأداة التراخي فقال :
ثُمَّ إِنَّ
أكده لإنكارهم ، وأتى بأداة دالة على أنه كالواجب في أنه لا بد منه فقال :
عَلَيْنا
أي خاصة بما لنا من القدرة والتنزه عن نقص العبث والجور وكل نقص ، لا على غيرنا ، لأن غيرنا لا قدرة له فقد تقدمنا فيه بالوعود الصادقة ، وأكدناها غاية التأكيد
حِسابَهُمْ *
أي يوم القيامة على النقير والقطمير ، وغير ذلك من كل صغير وكبير ، وذلك يكون في الغاشية يوم ينقسم الناس قسمين : في دار هوان ، ودار أمان ، فقد التف آخرها بأولها ، وتعانق مفصلها بموصلها - واللّه الهادي للصواب وإليه المآب .
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 412 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي