تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
ولما كان هذا دالا على العفو ، أتبعه ما يدل على الإكرام فقال :
وَيَنْقَلِبُ
أي يرجع من نفسه من غير مزعج برغبة وقبول
إِلى أَهْلِهِ
أي الذين أهله اللّه بهم في الجنة فيكون أعرف بهم وبمنزله الذي أعد له منه بمنزله في الدنيا . ولما كانت السعادة في حصول السرور من غير قيد ، بنى للمفعول قوله :
مَسْرُوراً *
أي قد أوتي جنة وحريرا ، فإنه كان في الدنيا في أهله مشفقا من العرض على اللّه مغموما مضرورا يحاسب نفسه بكرة وعشيا حسابا عسيرا مع ما هو فيه من نكد الأهل وضيق العيش وشرور المخالفين ، فذكر هنا الثمرة والمسبب لأنها المقصودة بالذات ، وفي الشق الآخر السبب والأصل ، وقد استشكلت الصديقة أم المؤمنين عائشة رضي اللّه عنها هذه الآية بما روي عنها في الصحيح بلفظين أحدهما « ليس أحد يحاسب إلا هلك » والثاني « من نوقش الحساب عذب » قالت عائشة رضي اللّه عنها : فقلت : يا رسول اللّه ! أليس اللّه يقول
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ
[ الانشقاق : 8 ] الآية ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : إنما ذلك العرض » « 1 » فإن كان اللفظ الأول هو الذي سمعته فالإشكال فيه واضح ، وذلك أنه يرجع إلى كلية موجبة هي « كل من حوسب هلك » والآية مرجع إلى جزئية سالبة وهي « بعض من يحاسب لا يهلك » وهو نقيض ، وحينئذ يكون اللفظ الثاني من تصرف الرواة ، وإن كان الثاني هو الذي سمعته فطريق تقرير الإشكال فيه أن يقال : المناقشة في اللغة من الاستقصاء وهو بلوغ الغاية ، وذلك في الحساب بذكر الجليل والحقير والمجازاة عليه ، فرجع الأمر أيضا إلى كلية موجبة هي « كل من حوسب بجميع أعماله عذب » وذلك شامل لكل حساب سواء كان يسيرا أو لا ، لأن الأعم يشمل جميع أخصّياته ، والآية مثبتة أن من أعطي كتابه بيمينه يحاسب عليه ولا يهلك ، والصديقة رضي اللّه عنها عالمة بأن الكتاب يثبت فيه جميع الأعمال من قوله تعالى :
لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها
[ الكهف : 49 ] ومن حديث الحافظين وغير ذلك ، فرجع الأمر إلى أن بعض من يحاسب بجميع أعماله لا يهلك ، وحينئذ فالظاهر التعارض فسألت ، فأقرها صلّى اللّه عليه وسلّم على الإشكال وأجابها بما حاصله أن المراد بالحساب في الحديث مدلوله المطابقي ، وهو ذكر الأعمال كلها - والمقابلة على كل منها ، وذلك هو معنى المناقشة ، فمعنى « من نوقش الحساب » من حوسب حسابا حقيقيا بذكر جميع أعماله والمقابلة على كل منها ، وأن المراد بالحساب
هامش
( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 4939 و 103 و 6537 ومسلم 2876 وأبو داود 3093 والترمذي 3337 وابن حبان 7369 و 7370 وأحمد 6 / 108 و 127 و 206 من حديث عائشة مرفوعا .