تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 363

مساهمون:

ص٣٦٣
ومنهم ، والخواص على دوام الأوقات إلى اللّه تعالى ينظرون كما أن الفجار دائما عن ربهم محجوبون .

[ سورة المطففين ( 83 ) : الآيات 24 إلى 30 ]

تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ ( 24 ) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ( 25 ) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ ( 26 ) وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ ( 27 ) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ ( 28 ) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ( 29 ) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ ( 30 ) ولما وصف نعيمهم ، أخبر أنهم من عراقتهم فيه يعرفهم به كل ناظر إليهم فقال تعالى :
تَعْرِفُ
أي أيها الناظر إليهم - هذا على قراءة الجماعة ، وقرأ أبو جعفر ويعقوب بالبناء للمفعول ، وهو أدل على العموم
فِي وُجُوهِهِمْ
عند رؤيتهم
نَضْرَةَ النَّعِيمِ *
أي بهجته ورونقه وحسنه وبريقه وطراوته ، من نضر النبات - إذا أزهر ونوّر ، وقال الحسن رحمه اللّه تعالى : النضرة في الوجه والسرور في القلب . ولما كانت مجالس الأنس لا سيما في الأماكن النضرة لا تطيب إلا بالمآكل والمشارب ، وكان الشراب يدل على الأكل ، قال مقتصرا عليه لأن هذه السور قصار يقصد فيها الجمع مع الاختصار قال :
يُسْقَوْنَ
بانيا له للمفعول دلالة على أنهم مخدومون أبدا لا كلفة عليهم في شيء
مِنْ رَحِيقٍ
أي شراب خالص صاف عتيق أبيض مطيب في غاية اللذة ، فإنهم قالوا : إن الرحيق الخمر أو أطيبها أو أفضلها أو الخالص أو الصافي ، وضرب من الطيب . ولا شك أن العاقل لا يشرب الخمر مطلقا فكيف بأعلاها إلا إذا كان مستكملا لمقدماتها من مأكول ومشروب وملبوس ومنكوح وغير ذلك ، ولما كان الختم لا يكون إلا لما عظمت رتبته وعزت نفاسته ، قال مريدا الحقيقة ، أو الكناية عن نفاسته :
مَخْتُومٍ *
أي فهو مع نفاسته سالم من الغبار وجميع الأقذاء والأقذار . ولما كان الختم حين الفك لا بد أن ينزل من فتاته في الشراب قال :
خِتامُهُ مِسْكٌ
وقال ابن مسعود رضي اللّه عنه : إن المراد بختامه آخر طعمه ، فيحصل أن ختامه في أول فتحه وفي آخر شربه المسك ، وذلك يقتضي أن لا يكون يفتحه إلا شاربه ، وأنه يكون على قدر كفايته فيشربه كله ، والعبارة صالحة لأن يكون الختام أولا وآخرا ، وهو يجري مجرى افتضاض البكر . ولما كان التقدير : فيه يبلغ نهاية اللذة الشاربون ، عطف عليه قوله :
وَفِي ذلِكَ
أي الأمر العظيم البعيد المتناول وهو العيش والنعيم والشراب الذي هذا وصفه
فَلْيَتَنافَسِ
أي فليرغب غاية الرغبة بجميع الجهد والاختيار
الْمُتَنافِسُونَ *
أي الذين من شأنهم المنافسة وهو أن يطلب كل منهم أن يكون ذلك