من عالم الغيب والملكوت ، وهو أمور ستة على عدد ما مضى من عالم الملك والشهادة ترغيبا في الأعمال الصالحة والقرناء الصالحين لئلا يزوج بما يسوءه وابتدأ بما يناسب تكوير الشمس :
وَإِذَا النُّفُوسُ
أي من كل ذي نفس من الناس وغيرهم
زُوِّجَتْ *
أي قرنت بأبدانها وجمع كل من الخلق إلى ما كانت نفسه تألفه وتنزع إليه ، فكانوا أصنافا كما قال تعالى
احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ الصافات : 22 ، 23 ] والتفاف الأزواج كالتفاف الشمس حتى يذهب نورها .
ولما صرح الأمر فكانت القلوب أحر من الجمر ، ذكر ما هو المقصود الأعظم وهو السؤال على وجه يفهم العموم فقال :
وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ
أي ما دفن من الأولاد حيا بعد الولادة أو حصل تسبب في قتله قبل الولادة بدواء ونحوه ، سميت موءودة لما يوضع عليها من التراب فيثقلها فيقتلها « وأدا » مقلوب « آدا » إذا أثقل ، وإلقاؤها في البئر المحفور لها قريب من انكدار النجوم وتساقطها . ولما كان هذا أهون القتل عندهم ، وكانوا يظنون أنه مما لا عبرة به ، بين أنه معتنى به وأنه لا بد من بعثها وجعلها بحيث تعقل وتجيب وإن كان نفخ الروح فيها في زمن يسير فقال :
سُئِلَتْ *
أي وقع سؤالها عما يليق أن تسأل عنه ، ثم قيل على طريق الاستئناف تخويفا للوالدين :
بِأَيِّ
أي بسبب أيّ
ذَنْبٍ
يا أيها الجاهلون
قُتِلَتْ *
أي استحقت به عندكم القتل وهي لم تباشر سوءا لكونها لم تصل إلى حد التكليف ، فما ظنك بمن هو فوقها وبمن هو جان ، وسؤالها هو على وجه التبكيت لقاتلها ، فإن العرب كانت تدفن البنات أحياء مخافة الإملاق أو لحوق العار بهن ، ويقولون : نردها إلى اللّه هو أولى بها ، فلا يرضون البنات لأنفسهم ويرضونها لخالقهم ، وكان فيهم من يتكرم عن ذلك ومن يفدي الموءودات ويربيهن ، وليس في الآية دليل على تعذيب أطفال الكفرة ولا عدمه ، فإن الكافر الذي يستحق الخلود قد يكون مستأمنا فلا يحل قتله ، والأطفال ما عملوا ما يستحقون به القتل ، ويؤخذ من سؤال المؤدة تحريم الظلم لكل أحد وكف اليد واللسان عن كل إنسان .
[ سورة التكوير ( 81 ) : الآيات 10 إلى 19 ]
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ( 10 ) وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ ( 11 ) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ( 12 ) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ( 13 ) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ ( 14 )
فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ( 15 ) الْجَوارِ الْكُنَّسِ ( 16 ) وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ ( 17 ) وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ ( 18 ) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ( 19 )
ولما دل هذا على عموم السؤال ، ذكر ما ينشأ عنه مما يدل على النعيم أو النكال فقال :
وَإِذَا الصُّحُفُ
أي الأوراق التي كتبت فيها أعمال العباد
نُشِرَتْ *
أي فرقت مفتحة تفتيحا عظيما على أربابها بأيسر أمر فتأتي السعيد في يمينه من تلقاء وجهه على وجه يكون فيه بشارة له ، وتأتي الشقي من وراء ظهره وفي شماله بعد أن كانت طويت