تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١

[ سورة عبس ( 80 ) : الآيات 28 إلى 32 ]

وَعِنَباً وَقَضْباً ( 28 ) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً ( 29 ) وَحَدائِقَ غُلْباً ( 30 ) وَفاكِهَةً وَأَبًّا ( 31 ) مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ ( 32 ) ولما كان الحب قوتا فبدأ به لأنه الأصل في القوام ، عطف عليه ما هو فاكهة وقوت فقال :
وَعِنَباً
هو فاكهة في حال عنبيته وقوت باتخاذه زبيبا ودبسا وخلا . ولما كان ذلك في بيان عجائب الصنع ليدل على القدرة على كل شيء فيدل على القدرة على البعث فذكر ما إن أخذ من منبته قبل بلوغه فسد ، وإن ترك اشتد وصلح للادخار ، واتبعه ما إن ترك على أصله فسد ، وإن أخذ وعولج - صلح للادخار ، أتبعه ما لا يصلح للادخار بوجه فقال :
وَقَضْباً *
وهو الرطب من البقل وغيره ، وهو يزيد على الماضيين بأنه فيه ما هو دواء نافع وسم ناقع ، وبأنه يقطع مرة بعد أخرى فيخلف ، سمي بمصدر قضبه - إذا قطعه بحصد أو قلع . ولما ذكر ما لا يصلح أن يؤكل إلّا رطبا من غير تأخير ، أتبعه ما لا يفسد بحال لا على أمه ولا بعد القطاف ويصلح بعد القطاف فيؤكل أو يعصر ، فيكون له دهن للاستصباح والإدهان والائتدام ، وفيه تقوية للعظام والأعصاب ولا يفسده الماء بوجه كما أن العنب يعصر فيكون منه دبس وخل وغيرهما ، ومتى خالطه الماء فسد ، فقال :
وَزَيْتُوناً
يكون فيه مع ما مضى حرافة وغضاضة فيها إصلاح المزاج . ولما ذكر ما لا يفسد وشجره يصبر على البرد ، أتبعه ما هو كالعنب يؤكل على أمه ويقطع فيدخر ، فهو جامع بين التحلي والتحمض بالخل والتفكه والتقوي والتداوي للسم الناقع والسحر الصارع من عجوة المدينة الشريفة وغير ذلك من ثمرة وشجرة ، ولا يصبر شجره على البرد فقال :
وَنَخْلًا *
وكل من هذه الأشجار مخالف للآخر في الشكل والحمل وغير ذلك مع الموافقة في الأرض والسقي . ولما ذكر هذه الأشياء من الأقوات والفواكه لكثرة منافعها ، وكانت البساتين تجمعها وغيرها مع ما لها من بهجة العين وسرور النفس وبسط الخاطر وشرح القلب قال :
وَحَدائِقَ
جمع حديقة وهي الروضة ذات النخل والشجر ، أو كل ما أحاط به البناء وهي تجمع ذلك كله
غُلْباً *
جمع غلباء - بفتح الغين والمد ، وهي الحديقة ذات أشجار كثيرة عظام غلاظ طوال ملتفة الأغصان متكاثفة متكاثرة ، مستعار من وصف الرقاب ، يقال : غلب فلان - كفرح أي غلظ عنقه ، والغلباء أيضا من القبائل العزيزة الممتنعة ، ومن الهضاب المشرفة . ولما ذكر ما يتفكه ويدخر جمع فقال :
وَفاكِهَةً
أي ثمرة رطبة يتفكه بها كالخوخ والعنب والتين والتفاح والكمثرى والبرقوق مما يمكن أن يصلح فيدخر ومما لا