ولما ذكر المخدوم والخدم شرع في ذكر المكان فقال :
وَإِذا رَأَيْتَ
أي أجلت بصرك ، وحذف مفعوله ليشيع ويعم
ثَمَّ
أي هناك في أي مكان كان وأي شيء كان
رَأَيْتَ نَعِيماً
أي ليس فيه كدر بوجه من الوجوه . ولما كان النعيم قد يكون في حالة وسطى قال :
وَمُلْكاً كَبِيراً *
أي لم يخطر على بال مما هو فيه من السعة وكثرة الموجود والعظمة أدناهم وما فيهم دني الذي ينظر في ملكه مسيرة ألف عام يرى أقصاه كما يرى أدناه ومهما أراده كان .
ولما ذكر الدار وساكنيها من مخدوم وخدم ، ذكر لباسهم بانيا حالا من الفاعل والمفعول :
عَلَيْهِمْ
أي حال كون الخادم والمخدوم يعلو أجسامهم على سبيل الدوام ، وسكن نافع وحمزة الياء على أنه مبتدأ وخبر شارح للملك على سبيل الاستئناف
ثِيابُ سُندُسٍ
وهو ما رق من الحرير
خُضْرٌ
رفعه الجماعة صفة لثياب ، وجره ابن كثير وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم صفة لسندس حملا على المعنى فإنه اسم جنس
وَإِسْتَبْرَقٌ
وهو ما غلظ من الديباج يعمل بالذهب ، أو هو ثياب حرير صفاق نحو الديباج - قاله في القاموس ، رفعه ابن كثير ونافع وعاصم نسقا على ثياب ، وجره الباقون على سندس .
ولما كان المقصود لأرباب اللباس الفاخر الحلية ، أخبر عن تحليتهم ، وبني الفعل للمفعول دلالة على تيسر ذلك لهم وسهولته عليهم فقال :
وَحُلُّوا
أي وجدت تحلية المخدومين والخدم
أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ
وإن كانت تتفاوت بتفاوت الرتب ، وتقدم سر تخصيص هذه السورة بالفضة والأساورة بجمع ما فيها من لذة الزينة لذة اتساع الملك فإنها كناية عنه فإنه - كما قال الملوي - كان في الزمن القديم إذا ملك ملك أقاليم عظيمة كثيرة لبس سوارا وسمي الملك المسور لاتساع مملكته وعظمتها وكثرة أقاليمها ، وإن لم تجمع أقاليم لم يسور فما ظنك بمن أعطى من ذلك جمع الكثرة ، وهي بالغة من الأعضاء ما يبلغه التحجيل في الوضوء كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء » « 1 » فلذا كان أبو هريرة رضي اللّه عنه يرفع الماء إلى المنكبين وإلى الساقين .
ولما كان ربما ظن بما تقدم من ذلك الممزوج شيء من نقص لأجله يمزج كما هو في الدنيا ، وكان قد قال أولا
يَشْرَبُونَ
بالبناء للفاعل ، وثانيا ( يسقون ) بالبناء للمفعول ، قال بانيا للفاعل بيانا لفضل ما يسقونه في نفسه وفي كونه من عند الإله
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم 250 والنسائي 1 / 93 وابن حبان 1031 وأحمد 2 / 371 وأبو يعلى 6202 من حديث أبي هريرة .