وَقِيلَ
أي من كل قائل يعز عليه الميت استفهام استبعاد :
مَنْ راقٍ *
أي من هو الذي يتصف برسوخ القدم في أمر الرقى الشافية ليرقيه فيخلصه مما هو فيه فإنه صار إلى حالة لا يحتمل فيها دواء فلا رجاء إلا في الرقى ، وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن هذا القول من بعض الملائكة للاستفهام عمن يرقى بروحه إلى السماء : أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب ؟ فالأول اسم فاعل من رقى يرقى بمعنى الرقية بالفتح في الماضي والكسر في المضارع ، والثاني الذي بمعنى الصعود بالكسر في الماضي والكسر في المضارع .
ولما كان الإنسان مطبوعا على الترجح بين الأمور الممكنة تتعلق لما يغلب عليه من طبع الإلف وشدة الركون لما يألفه بأدنى شيء ، عبر عما هو أهل للتحقق بالظن فقال :
وَظَنَّ
أي المحتضر لما لاح له من أمور الآخرة أو القائل « هل من راق » من أهله
أَنَّهُ
أي الشأن العظيم الذي هو فيه
الْفِراقُ *
أي لما كان فيه من محبوب العاجلة الذي هو الفراق الأعظم الذي لا فراق مثله ، ففي الخبر أن العبد ليعالج كرب الموت وسكراته وأن مفاصله ليسلم بعضها على بعض يقول : السّلام عليك تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة .
وَالْتَفَّتِ السَّاقُ
أي هذا النوع
بِالسَّاقِ *
أي انضمت إليها واتصلت بها ودارت إحداهما بالأخرى فكانتا كالشئ الواحد ، وهو كناية عن الموت لأن المشي لا يكون إلا مع انفصال إحدى الساقين عن الأخرى ، أو عن اشتداد الأمر جدا وبعده عن الخلاص ، فإن العرب لا تذكر الساق في مثل هذا السياق إلا في أمر شديد مثل « شمر عن ساق » وإذا اشتد حراب المتحاربين : « دنت السوق بعضها من بعض » فلا افتراق إلا عن موت أحدهما أو أشد من موته من هزيمته ، وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه كناية عن اختلاط شدة آخر الدنيا بشدة أول الآخرة ، وجواب إذا محذوف تقديره : زال تعلقه الذي كان بالدنيا وحبه لها وإعراضه عن الآخرة .
ولما صور وقت تأسفه على الدنيا وإعراضه عنها ، ذكر غاية ذلك فقال مفردا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالخطاب إشارة إلى أنه لا يفهم هذا حق فهمه غيره :
إِلى رَبِّكَ
أي موعد وحكم المحسن إليك بإرسالك وتصديقك في جميع ما بلغته عنه ونصرك على كل من ناواك ، لا إلى غيره
يَوْمَئِذٍ *
أي إذ وقع هذا الأمر
الْمَساقُ *
أي السوق وموضع السوق وزمانه ، كل ذلك داخل في حكمه ، قد انقطعت عنه أحكام أهل الدنيا ، فإما أن تسوقه الملائكة إلى سعادة بينة وإما إلى شقاوة بينة ، أو هو كناية عن عرضه بعد الموت على اللّه تعالى فلا ينفعه إذا حقق له الوعظ بالموت قوله : أموت فأستريح ، فإنه يرجع بالموت إلى سيده ، فإن كان مطيعا لقيه بما يرضيه ، وإن كان عاصيا لقيه بما يلقى به العبد الآبق على قدر إباقه .