تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
إشارة إلى أن كل ما يريده بمقتضى طبعه وشهواته خارج عن طوره فهو معاقب عليه لأنه عبد ، والعبد يجب عليه أن يكون مراقبا للسيد ، لا يريد إلا ما يأمره به ، فإذا أراد ما أمره به لم تنسب إليه إرادة بل الإرادة للسيد لا له . ولما كان ذلك ، وكانت إرادته الخارجة عن الأمر معصية ، قال معللا :
لِيَفْجُرَ أَمامَهُ *
أي يقع منه الإرادة ليقع منه الفجور في المستقبل من زمانه بأن يقضي شهواته ويمضي راكبا رأسه في هواه ، ونفسه الكاذبة تورد عليه الأماني وتوسع له في الأمل وتطمعه في العفو من دون عمل ، قال الحسن : المؤمن ما تراه إلا يلوم نفسه ويقول : ما أردت بكلامي ؟ وما أردت بأكلي ؟ والفاجر يمضي قدما لا يحاسب نفسه ولا يعاتبها . ويجوز أن يعود الضمير على اللّه تعالى ليكون المعنى : ليعمل الفجور بين يدي اللّه تعالى وبمرأى منه ومسمع ويطمع في أن لا يؤاخذه بذلك أو يجازيه بفجوره ، قال في القاموس : والفجر : الانبعاث في المعاصي والزنا كالفجور . ولما كان عريقا في التلبس بهذا الوصف ، أنتج له الاستهزاء بهذا الخطب الأعظم فترجم ذلك بقوله :
يَسْئَلُ
أي سؤال استهزاء واستبعاد ، ويوضع موضع مفعول يسأل جملة اسمية من خبر مقدم ومبتدأ مؤخر فقال :
أَيَّانَ
أي أيّ وقت يكون
يَوْمُ الْقِيامَةِ *
ولما كان الجواب : يوم يكون كذا وكذا ، عدل عنه إلى ما سبب عن استبعاده لأنه أهول ، فقال دالا على خراب العالم لتجرد الإنسان عن مسكنه وما ألفه من أحواله فيكون أهول معبرا بأداة التحقق لأنها موضعها :
فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ *
أي شخص وقف فلا يطرف من هول ما يرى - هذا على قراءة نافع بالفتح ، وهي إشارة إلى مبدأ حاله ، وقراءة الجماعة بالكسر مشيرة إلى مآله فإن معناها : تحير ودهش وغلب ، من برق الرجل - إذا نظر إلى البرق فحسر بصره وتفرق تفرق الشيء في المايع إذا انفتح عنه وعاؤه بدليل قراءة بلق من بلق الباب - إذا انفتح ، وبلق الباب كنصر : فتحه كله ، أو شديدا كأبلقه فانبلق ، وبلق كفرح : تحير - قاله في القاموس .

[ سورة القيامة ( 75 ) : الآيات 8 إلى 12 ]

وَخَسَفَ الْقَمَرُ ( 8 ) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ( 9 ) يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ ( 10 ) كَلاَّ لا وَزَرَ ( 11 ) إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ ( 12 ) ولما كانت آيات السماوات أخوف ، ذكرها بادئا بما طبعه البرد ، إشارة إلى شدة الحر والتوهج والأخذ بالأنفاس الموجب لشدة اليأس فقال :
وَخَسَفَ الْقَمَرُ
أي وجد خسفه بأن خسفه اللّه تعالى فأذهب صورته كما تذهب صورة الأرض المخسوفة ، وذلك بإذهاب ضوئه من غير سبب لزوال ربط المسببات في ذلك اليوم بالأسباب وظهور