تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
يرزقك وينفق عليك من ماله ، ومن تمسك بهذه الآية عاش حرا كريما ، ومات خالصا شريفا ، ولقي اللّه تعالى عبدا صافيا مختارا تقيا ، ومن شرط الموحد أن يتوجه إلى الواحد ويقبل على الواحد ويبذل له نفسه عبودية ويأتمنه على نفسه ويفوض إليه أموره ويترك التدبير ويثق به ويركن إليه ويتذلل لربوبيته ، ويتواضع لعظمته ويتزين ببهائه ويتخذه عدة لكل نائبة دنيا وآخرة .

[ سورة المزمل ( 73 ) : الآيات 10 إلى 15 ]

وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً ( 10 ) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً ( 11 ) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً ( 12 ) وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً ( 13 ) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً ( 14 ) إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً ( 15 ) ولما كانت الوكالة لا تكون إلا فيما يعجز ، وكان الأمر بها مشيرا إلى أنه لا بد أن يكون عن هذا القول الثقيل خطوب طوال وزلازل وأهوال ، قال :
وَاصْبِرْ
وأشار إلى عظمة الصبر بتعديته بحرف الاستعلاء فقال :
عَلى ما
وخفف الأمر بالإشارة إلى أنهم لا يصلون إلى غير الأذى بالقول ، وعظمه باستمرارهم عليه فقال :
يَقُولُونَ
أي المخالفون المفهومون من الوكالة من مدافعتهم الحق بالباطل في حق اللّه وحقك . ولما كانت مجانبة البغيض إلا عند الاضطرار مما يخفف من أذاه قال :
وَاهْجُرْهُمْ
أي أعرض عنهم جهارا دافعا للهرج مهما أمكن
هَجْراً جَمِيلًا *
بأن تعاشرهم بظاهرك وتباينهم بسرك وخاطرك ، فلا تخالطهم إلا فيما أمرك اللّه به على ما حده لك من دعائهم إليه سبحانه ومن موافاتهم في أفراحهم وأحزانهم فتؤدي حقوقهم ولا تطالبهم بحقوقك لا تصريحا ولا تلويحا . ولما كان في أمره هذا بما يفعل ما يشق جدا بما فيه من احتمال علوهم ، أعلم بقرب فرجه بتهديدهم بأخذهم سريعا فقال :
وَذَرْنِي
أي اتركني على أي حالة اتفقت مني في معاملتهم ، وأظهر في موضع الإضمار تعليقا للحكم بالوصف وتعميما فقال :
وَالْمُكَذِّبِينَ
أي العريقين في التكذيب فإني قادر على رحمتهم وتعذيبهم . ولما ذكر وصفهم الذي استحقوا به العذاب ، ذكر الحامل عليه تزهيدا فيه وصرفا عن معاشرة أهله لئلا تكون المعاشرة فتنة فتكون حاملة على الاتصاف به وجارّة إلى حب الدنيا فقال :
أُولِي النَّعْمَةِ
أي أصحاب التنعم بغضارة العيش والبهجة التي أفادتهموها النعمة - بالكسر وهي الإنعام وما ينعم به من الأموال والأولاد ، والجاه الذي أفادته النعمة - بالضم وهي المسرة التي تقتضي الشكر وهم أكابر قريش وأغنياؤهم .
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 210 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي