قال صلّى اللّه عليه وسلّم في قتلى أحد - « زملوهم بثيابهم ودمائهم » « 1 » مع الإشارة إلى الإخفاء أيضا بإدغام تاء التفعل ، وربما أشار الإدغام إلى أن الستر بالثوب لم يعم جميع البدن ، كما يأتي في المدثر على أن فيه مع ذلك إشارة إلى البشارة بالقوة على حمل أعباء ما يراد به ، من قولهم : زمل الشيء - إذا رفعه وحمله ، والازدمال : احتمال الشيء ، وزملت الرجل على البعير وغيره - إذا حملته عليه ، ومن زملت الدابة في عدوها - إذا نشطت ، والزامل من حمر الوحش الذي كأنه يظلع من نشاطه ، ورجل إزميل : شديد ، والزاملة : بعير يستظهر به الرجل لحمل طعامه ومتاعه عليه ، ويقال للرجل العالم بالأمر : هو ابن زوملتها ، وقال ابن عطاء : يا أيها المخفي ما تظهره عليه من آثار الخصوصية ! هذا أوان كشفه ، وقال عكرمة - : يا أيها الذي حمل هذا الأمر ، وقال السدي : أراد يا أيها النائم ، وقال غيره :
كان هذا في ابتداء الوحي بالنبوة ، والمدثر في ابتداء الوحي بالرسالة ، ثم خوطب بعد ذلك بالنبي والرسول :
قُمِ
أي في خدمتنا بحمل أعباء نبوتنا والازدمال بالاجتهاد في الاحتمال ، واترك التزمل فإنه مناف للقيام .
ولما كان الاجتهاد في الخدمة دالّا على غاية المحبة ، وكانت النية خيرا من العمل ، وكان الإنسان مجبولا على الضعف ، وكان سبحانه لطيفا بهذه الأمة تشريفا لإمامها صلّى اللّه عليه وسلّم ، رضى منا سبحانه بصدق التوجه إلى العمل وجعل أجورنا أكثر من أعمالنا ، فجعل إحياء البعض إحياء للكل ، فأطلق اسم الكل وأراد البعض فقال :
اللَّيْلَ
أي الذي هو وقت الخلوة والخفية والستر ، فصل لنا في كل ليلة من هذا الجنس وقف بين يدينا بالمناجاة والأنس بما أنزلنا عليك من كلامنا فإنا نريد إظهارك وإعلاء قدرك في البر والبحر والسر والجهر ، وقيام الليل في الشرع معناه الصلاة ، فلذا لم يقيده ، وهي جامعة لأنواع الأعمال الظاهرة والباطنة ، وهي عمادها ، فذكرها دال على ما عداها .
ولما كان للبدن حظ في الراحة قال مستثنيا من الليل :
إِلَّا قَلِيلًا *
أي من كل ليلة ، ونودي هذا النداء لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما جاءه الوحي بغار حراء رجع إلى خديجة زوجته رضي اللّه تعالى عنها يرجف فؤاده فقال : « زملوني زملوني ! لقد خشيت على نفسي » فسألته رضي اللّه عنها عن حاله ، فلما قص عليها أمره - قال : « خشيت على نفسي » « 2 »
هامش
( 1 ) صحيح . أخرجه النسائي 6 / 29 وأحمد 5 / 431 من حديث عبد اللّه بن ثعلبة بن صعير . وأخرجه أبو يعلى 1951 من حديث ابن أبي صعير عن جابر مرفوعا وابن أبي صعير هو عبد اللّه بن ثعلبة . - وله شاهد من حديث جابر عند البخاري 1346 بلفظ : « ادفنوهم بدمائهم » يعني يوم أحد ولم يغسلهم .
( 2 ) صحيح . أخرجه البخاري 3 و 4956 و 6982 ومسلم 160 وابن حبان 33 وأحمد 6 / 232 و 233 من حديث عائشة .