تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
مسعد ، ومع تحقق أنه مسعد لا ينبغي أن يكون إلا فيما تحصل به السعادة الأبدية ؛ قال منبها على ذلك منكرا أن يكون لهم ما كان ينبغي ألا يكون فعلهم ذلك إلا له مع أنه كان من جملة استهزائهم إذا تحلقوا لسماع ما يقرأ أن يقولوا : إن كان ما يقول حقا من أمر البعث والجنة لنكونن أسعد بها منهم كما أنا أسعد منهم في هذه الدار كما قال تعالى حاكيا عنهم في قوله :
وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى
[ فصلت : 50 ] وذلك أنه كثيرا ما يأتي الغلط من أن الإنسان يكون في خير في الدنيا فيظن أن ذلك مانع له من النار لأنه خير في نفس الأمر ، أو يظن أن إمهاله وهو على الباطل رضي به ، ولا يدري أنه لا يضجر ويقلق ويعجل إلا من يخاف الفوت ، أو يكون شيء بغير إرادته :
أَ يَطْمَعُ
أي بهذا الإتيان ، وعبر بالطمع إشارة إلى أنهم بلغوا الغاية في السفه لكونهم طلبوا أعز الأشياء من غير سبب تعاطوه له . ولما كان إتيانهم على هيئة التفرق من غير انتظار جماعة لجماعة قال :
كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ
أي على انفراده ، ولما كان المحبوب دخول الجنة لا كونه من مدخل معين ، قال بانيا للمفعول :
أَنْ يُدْخَلَ
أي بالإهطاع وهو كافر من غير إيمان يزكيه كما يدخل المسلم فيستوي المسئ والمحسن
جَنَّةَ نَعِيمٍ *
أي لا شيء فيها غير النعيم في كل ما فيها على تقدير ضبطه .

[ سورة المعارج ( 70 ) : الآيات 39 إلى 44 ]

كَلاَّ إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ ( 39 ) فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ ( 40 ) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 41 ) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ( 42 ) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ( 43 ) خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ ( 44 ) ولما كان معنى الاستفهام الإنكاري المفيد للنفي : لا يدخل ، أكد ذلك مع إفهام الضجر والاستصغار بالإتيان بأم الزواجر والروادع فقال :
كَلَّا
أي لا يكون ما طمعوا فيه أصلا لأن ذلك تمن فارغ لا سبب له - بما دل عليه التعبير بالطمع دون الرجاء . ولما كان الإنسان إذا أكثر من شيء وجعله ديدنه فساغ عندهم أن يقال : فلان خلق من كذا ، علل ذلك بقوله مؤكدا ، عدّا لهم منكرين لأنهم مع علمهم بنقصانهم يدعون الكمال :
إِنَّا
على ما لنا من العظمة
خَلَقْناهُمْ
بالعظمة التي لا يقدر أحد أن يقاويها فيصرف شيئا من إرادته عن تلك الوجهة التي وجهته إليها إلى غيرها
مِمَّا يَعْلَمُونَ *
أي مما يستحي من ذكره ذاتا ومعنى ، أما الذات فهو نطفة مذرة أخرجت من مخرج البول وغذيناها بدم الحيض ، فهي يتحلب منها البول والعذرة ، وأما المعنى فالهلع والجزع والمنع اللاتي هم موافقون على عدها نقائص ، فلا يصلحون لدار الكمال إلا