ولما كان الدين مع سهولته متينا لن يشاده أحد إلا غلبه ، قال حاملا على التقوى بالوعد بدفع المضار ، ولعله أفرد الضمير إشارة إلى أن زمان التكفير والدخول متفاوت بحسب طول الحساب وقصره ، كلما فرغ واحد من الحساب دخل الجنة إن كان من أهلها :
يُكَفِّرْ
أي اللّه - على قراءة الجماعة بأن يستر سترا عظيما
عَنْهُ سَيِّئاتِهِ
التي غلبه عليها نقصان الطبع ، وأتبع ذلك الحامل الآخر وهو الترجئة يجلب المسار لأن الإنسان يطير إلى ربه سبحانه بجناحي الخوف والرجاء والرهبة والرغبة والنذارة والبشارة فقال :
وَيُدْخِلْهُ
أي رحمة له وإكراما وفضلا
جَنَّاتٍ
أي بساتين ذات أشجار عظيمة وأغصان ظليلة تستر داخلها ، ورياض مديدة منوعة الأزاهير عطرة النشر تبهج رائيها ، وأشار إلى دوام ريها بقوله :
تَجْرِي
ولما كان عموم الماء لجميع الأرض غير ممدوح ، بين أنه في خلالها على أحسن الأحوال فقال :
مِنْ تَحْتِهَا
وبين عظمه بقوله :
الْأَنْهارُ
ولما كان النزوح أو توقعه عن مثل هذا محزنا ، أزال توقع ذلك بقوله جامعا لئلا يظن الخلود لواحد بعينه تصريحا بأن من معناها الجمع وأن كل من تناولته مستوون في الخلود :
خالِدِينَ فِيها
وأكد بقوله :
أَبَداً
والتقدير على قراءة نافع وابن عامر بالنون : نفعل التكفير والإدخال إلى هذا النعيم بما لنا من العظمة فإنه لا يقدر على إسعاد من شاء وإشقاء من شاء إلا اللّه سبحانه ، ولا تكون هذه القدرة تامة إلا لمن كان عظيما لا راد لأمره أصلا .
ولما كان هذا أمرا باهرا جالبا بنعيمه سرور القالب ، أشار إلى عظمته بما يجلب سرور القلب بقوله :
ذلِكَ
أي الأمر العالي جدا من الغفران والإكرام ، لا غيره
الْفَوْزُ الْعَظِيمُ *
لأنه جامع لجميع المصالح مع دفع المضار وجلب المسار .
ولما ذكر الفائز بلزومه التقوى ترغيبا ، أتبعه الخائب بسبب إفساد القوتين الحاملتين على التقوى : العلمية والعملية ترهيبا ، فقال بادئا بالعلمية :
وَالَّذِينَ كَفَرُوا
أي غطوا أدلة ذلك اليوم فكانوا في الظلام . ولما ذكر إفسادهم القوة العلمية ، أتبعه العملية فقال :
وَكَذَّبُوا
أي أوقعوا جميع التغطية وجميع التكذيب
بِآياتِنا
بسببها مع ما لها من العظمة بإضافتها إلينا ، فلم يعملوا شيئا .
ولما بين إفسادهم للقوتين ، توعدهم بالمضار فقال معريا من الفاء في جانبي الأشقياء والسعداء طرحا للأسباب ، لأن نظر هذه السورة إلى الجبلات التي لا مدخل فيها لغيره أكثر بقوله :
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ
[ التغابن : 2 ] فإن ذلك أجدر بالخوف منه ليكون أجدر بالبعد عما يدل على الجبلة الفاسدة من الأعمال السيئة :
أُولئِكَ
أي البعداء البغضاء
أَصْحابُ النَّارِ
ولما كان السجن إذا رجي