فأنتم تعلمون أنه لا بد لهذه الأجرام الكثيفة جدا المتعالي بعضهما عن بعض بلا ممسك تشاهدونه مع تغير كل منها بأنواع الغير من رب ، وأنه لا يكون وهي على هذا النظام إلا وهو كامل العلم شامل القدرة ، مختار في تدبيره ، حكيم في شأنه كله وجميع تقديره ، وأنه لا يجوز في الحكمة أن يدع من فيها من العلماء العقلاء الذين هم خلاصة ما فيهما هملا يبغي بعضهم على بعض من غير رسول معلم بأوامره ، وأحكامه وزواجره ، منبه لهم على أنه ما خلق هذا الخلق كله إلا لأجلهم ، ليحذروا سطواته ويقيدوا بالشكر على ما حباهم به من أنواع هباته .
ولما ثبت بهذا النظر الصافي ربوبيته ، وبعدم اختلال التدبير على طول الزمان وحدانيته ، وبعدم الجري على نظام واحد من كل وجه فعله بالاختيار وقدرته ، صرح بذلك منبها لهم على أن النظر الصحيح أنتج ذلك ولا بد فقال تعالى :
لا إِلهَ إِلَّا هُوَ
أي وإلا لنازعه في أمرهما أو بعضه منازع ، أو أمكن أن ينازع فيكون محتاجا لا محالة ، وإلا لدفع عنه من يمكن نزعه له وخلافه إياه ، فلا يكون صالحا للتدبير والقهر لكل من يخالف رسله والإيحاء لكل من يوافقهم على مر الزمان وتطاول الدهر ومد الحدثان على نظام مستمر ، وحال ثابت مستقر .
ولما ثبت أنه لا مدبر للوجود غيره ، ثبت قوله تعالى :
يُحْيِي وَيُمِيتُ
لأن ذلك من أجل ما فيهما من التدبير ، وهو تنبيه على تمام دليل الوحدانية لأنه لا شيء ممن فيهما يبقى ليسند التدبير إليه ، ويحال شيء من الأمور عليه ، فهما جملتان : الأولى نافية لما أثبتوه من الشركة ، والثانية مثبتة لما نفوه من البعث .
ولما ثبت أنه المختص بالإفاضة والسلب ، وكان السلب أدل على القهر ، ذكرهم ما لهم من ذلك في أنفسهم فقال سبحانه :
رَبُّكُمْ
أي الذي أفاض عليكم ما تشاهدون من النعم في الأرواح وغيرها
وَرَبُّ آبائِكُمُ
ولما كانوا يشاهدون من ربوبيته لأقرب آبائهم ما يشاهدون لأنفسهم ، رقي نظرهم إلى النهاية فقال :
الْأَوَّلِينَ *
أي الذين أفاض عليهم ما أفاض عليكم ثم سلبهم ذلك كما تعلمون ، فلم يقدر أحد منهم على ممانعة ولا طمع في منازعة بنوع مدافعة .
[ سورة الدخان ( 44 ) : الآيات 9 إلى 15 ]
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ ( 9 ) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ ( 10 ) يَغْشَى النَّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ ( 11 ) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ( 12 ) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ( 13 )
ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ( 14 ) إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ ( 15 )