تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 606

مساهمون:

ص٦٠٦
الْمُنافِقُونَ
أي العريقون في وصف النفاق وهو إسلام الظاهر وكفر الباطن ، وأغلبهم من اليهود
قالُوا
مؤكدين لأجل استشعارهم لتكذيب من يسمعهم لما عندهم من الارتياب :
نَشْهَدُ
قال الحسن : هو بمنزلة يمين كأنهم قالوا : نقسم
إِنَّكَ
- التأكيد لذلك وإيهاما لأن قوة تأكيدهم لشدة رغبتهم في مضمون ما يقولونه
لَرَسُولُ اللَّهِ
أي الملك الذي له الإحاطة الكاملة ، فوافقوا الحق بظاهر أحوالهم ، وخالفوا بقلوبهم وأفعالهم . ولما كانت الشهادة الإخبار عن علم اليقين لأنها من الشهود وهو كمال الحضور وتمام الاطلاع ومواطأة القلوب للألسنة ، صدق سبحانه المشهود به وكذبهم في الإقسام بالشهادة ومواطأة ألسنتهم لقلوبهم فقال :
وَاللَّهُ يَعْلَمُ
أي وعلمه هو العلم في الحقيقة ، وأكده سبحانه بحسب إنكار المنافقين فقال :
إِنَّكَ لَرَسُولُهُ
سواء شهد المنافقون بذلك أم لم يشهدوا ، فالشهادة بذلك حق ممن يطابق لسانه قلبه ، وتوسط هذا بين شهادتهم وتكذيبهم لئلا يتوهم أن ما تضمنته شهادتهم من الرسالة كذب . ولما كان ربما ظن أن هذا تأكيد لكلام المنافقين ، دل على أنه تحقيق لمضمون كلامهم دون شهادتهم فقال :
وَاللَّهُ
أي المحيط بجميع صفات الكمال
يَشْهَدُ
شهادة هي الشهادة لأنها محيطة بدقائق الظاهر والباطن
إِنَّ الْمُنافِقِينَ
أي الراسخين في وصف النفاق
لَكاذِبُونَ *
أي في إخبارهم عن أنفسهم أنهم يشهدون لأن قلوبهم لا تطابق ألسنتهم فهم لا يعتقدون ذلك ، ومن شرط قول الحق أن يتصل ظاهره باطنه وسره بعلانيته ، ومتى تخالف ذلك فهو كذب ، لا المراد أنهم كاذبون في صحة ما تضمنته شهادتهم من أنك رسول اللّه والحاصل أن الشهادة تتضمن شيئين : صدق مضمون الخبر والإذعان له ، فصدقهم اللّه في الأول وكذبهم في الثاني فصاروا بنفاقهم أسفل حالا وشر مآلا من اليهود . وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما أعقب حال المؤمنين فيما خصهم اللّه به مما انطوت عليه الآيات الثلاث إلى صدر سورة الجمعة إلى قوله :
وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
[ الجمعة : 4 ] بذكر حال من لم ينتفع بما حمل حسبما تقدم ، وكان في ذلك من المواعظ والتنبيه ما ينتفع به من سبقت له السعادة ، أتبع بما هو أوقع في الغرض وأبلغ في المقصود ، وهو ذكر طائفة بين أظهر من قدم الثناء عليهم ومن أقرانهم وأترابهم وأقاربهم ، تلبست في الظاهر بالإيمان ، وأظهرت الانقياد والإذعان ، وتعرضت فأعرضت وتنصلت فما وصلت ، بل عاقتها الأقدار ، فعميت البصائر والأبصار ، ومن المطرد المعلوم أن اتعاظ الإنسان بأقرب الناس إليه وبأهل زمانه أغلب من اتعاظه بمن بعد عنه