الذي له كل كمال ولا يجب لأحد عليه شيء بالبيع والشراء وغيرهما من مصالح الدين والدنيا التي كنتم نهيتم عنها .
ولما كان السعي في طلب الرزق ملهيا عن الذكر ، بين أنه أعظم السعي في المعاش وأن من غفل عنه لم ينجح له مقصد وإن تحايل له بكل الحيل وغير ذلك فقال :
وَاذْكُرُوا اللَّهَ
أي الذي بيده كل شيء ولا شيء لغيره فإنه لا رخصة في ترك ذكره أصلا . ولما كان العبد مطلوبا بالعبادة في كل حال فإنه مجبول على النسيان . فمهما فتر عن نفسه استولت عليها الغفلة فمرنت على البطالة فهلكت قال :
كَثِيراً
أي بحيث لا تغفلوا عنه بقلوبكم أصلا ولا بألسنتكم حتى عند الدخول إلى الخلاء وعند أول الجماع وعند الإنزال ، واستثنى من اللساني وقت التلبس بالقذر كالكون في قضاء الحاجة .
ولما كان مراد الإنسان من جميع تصرفاته الفوز بمراداته قال معللا لهذا الأمر :
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *
أي لتكونوا عند الناظر لكم والمطلع عليكم من أمثالكم ممن يجهل العواقب على رجاء من أن تظفروا بجميع مطلوباتكم ، فإن الأمور كلها بيد من تكثرون ذكره ، وهو عالم بمن يستحق الفلاح فيسعفه به وبمن عمل رياء ونحوه فيخيبه ، فإذا امتثلتم أمره كان جديرا بتنويلكم ما تريدون ، وإن نسيتموه كنتم جديرين بأن يكلكم إلى أنفسكم فتهلكوا .
ولما كان التقدير مما ينطق به نص الخطاب : هذه أوامرنا الشريفة وتقديساتنا العظيمة وتفضلاتنا الكريمة العميمة ، فما لهم إذا نودي لها توانى بعضهم في الإقبال إليها ، وكان قلبه متوجها نحو البيع ونحوه من الأمور الدنيوية عاكفا عليها ساعيا بجهده إليها فخالف قوله أنه أسلم لرب العالمين فعله هذا ، عطف عليه قوله :
وَإِذا رَأَوْا
أي بعد الوصول إلى موطنها المريح ومحلها الفسيح الشرح المليح ، والاشتغال بشأنها العالي
تِجارَةً
أي حمولا هي موضع للتجارة . ولما ذكر ما من شأنه إقامة المعاش أتبعه ما هو أنزل منه وهو ما أقل شؤونه البطالة التي لا يجنح إليها ذو قدر ولا يلقي لها باله فقال :
أَوْ لَهْواً
أي ما يلهي عن كل نافع . ولما كان مطلق الانفضاض قبيحا لأنه لا يكون إلا تقربا على حال سيىء ، من الفض وهو الكسر بالتفرقة ، والفضاض ما تفرق من الشيء عند الكسر ، ويقال : فض الفم والطلع : كسرهما ، فكيف إذا كانت علته قبيحة ، قال تعالى معبرا به :
انْفَضُّوا
أي نفروا متفرقين من العجلة .
ولما كان سبب نزول الآية أنه كان أصاب الناس جوع وجهد ، فقدم دحية الكلبي رحمه اللّه تعالى بعير تحمل الميرة ، وكان في عرفهم أن يدخلوا في مثل ذلك بالطبل والمعازف والصياح ، وكان قصد بعض المنفضين العير ، وبعضهم ما قارنها من اللهو ،