أي إنشاء جديدا بعد تبديل ذواتكم
فِي ما لا تَعْلَمُونَ *
فإن بعضهم تأكله السباع أو الحيتان أو الطيور فتنشأ أبدانها منه ، بعضهم يصير ترابا فربما نشأ منه نبات فأكلته الدواب ، فنشأ منه أبدانها ، وربما صار ترابه من معادن الأرض كالذهب والفضة والحديد والحجر ونحو ذلك ، وقد لمح إلى ذلك قوله تعالى :
قُلْ كُونُوا حِجارَةً أَوْ حَدِيداً أَوْ خَلْقاً
إلى آخرها ، أو يكون المعنى كما قال البغوي : نأتي بخلق مثلكم بدلا منكم ونخلقكم فيما لا تعلمون من الصور . أي بتغيير أوصافكم وصوركم في صور أخرى بالمسخ ، ومن قدر على ذلك قدر على الإعادة .
[ سورة الواقعة ( 56 ) : الآيات 62 إلى 69 ]
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ ( 62 ) أَ فَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ ( 63 ) أَ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ( 64 ) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ( 65 ) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ( 66 )
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ( 67 ) أَ فَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ( 68 ) أَ أَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ( 69 )
ولما كان التقدير : فلقد علمتم النشأة الثانية النطفية ، عطف عليه قوله مؤكدا تنبيها على أنهم لما كانوا يعملون بخلاف ما يعلمون كانوا كأنهم منكرون لهذا العلم :
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ
أي أيها العرب
النَّشْأَةَ الْأُولى
الترابية لأبيه آدم عليه الصلاة والسّلام : أو اللحمية لأمكم حواء عليهاالسّلام حيث لم يكن هناك طبيعة تقتضي ذلك ، وإلا لوجد مثل ذلك بعد ذلك ، والنطفية لكم ، وكل منها تحويل من شيء إلى غيره ، فالذي شاهدتم قدرته على ذلك لا يقدر على تحويلكم بعد أن تصيروا ترابا إلى ما كنتم عليه أولا من الصورة ؟ ولهذا سبب عما تقدم قوله :
فَلَوْ لا
أي فهلا ولم لا
تَذَكَّرُونَ *
أي تذكرا عظيما تكرهون أنفسكم وإن كان فيه خفاء ما - مما أشار إليه الإدغام من أن الملوم عليه غيب ، وكذا بعض ما قيس به أن من قدر على هذه الوجوه من الإبداءات قدر على الإعادة ، بل هي أهون في مجاري عاداتكم .
ولما كان علمهم بأمر النبات الذي هو الآية العظمى لإعادة الأموات أعظم من علمهم بجميع ما مضى ، وكان أمره في الحرث وإلقاء البذر فيه أشبه شيء بالجماع وإلقاء النطفة ، ولذلك سميت المرأة حرثا ، وصل بما مضى مسببا عنه قوله منكرا عليهم :
أَ فَرَأَيْتُمْ
أي أخبروني هل رأيتم بالبصر أو البصيرة ما نبهناكم عليه وفيما تقدم فتسبب عن تنبهكم لذلك أنكم رأيتم
ما تَحْرُثُونَ *
أي تجددون حرثه على سبيل الاستمرار بتهيئة أرضه للبذر وإلقاء البذر فيه .
ولما كانوا لا يدعون القدرة على الإنبات بوجه ، وكان القادر عليه قادرا على كل شيء ، وهم يعتقدون في أمر البعث ما يؤدي إلى الطعن في قدرته ، كرر الإنكار عليهم