تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 351

مساهمون:

ص٣٥١
على متن ذلك الماء بعد أن صار جميع وجه الأرض مجرى واحدا ، وحذف الموصوف تهويلا بالحث على تعرفه بتأمل الكلام فقال :
عَلى ذاتِ
أي سفينة ذات
أَلْواحٍ
أي أخشاب نجرت حتى صارت عريضة
وَدُسُرٍ *
جمع دسار وهو ما يشد به السفينة وتوصل بها ألواحها ويلج بعضها ببعض بمسمار من حديد أو خشب أو من خيوط الليف على وجه الضخامة والقوة والدفع والمتانة ، ولعله عبر عن السفينة بما شرحها تنبيها على قدرته على ما يريد من فتق الرتق ورتق الفتق بحيث يصير ذلك المصنوع ، فكان إلى ما هيأه ليراد منه وإن كان ذلك المراد عظيما وذلك المصنوع . ولما كان ذلك خارقا للعادة فكان يمكن أن يكون في السفينة خارق آخر بإسكانها على ظهر الماء من غير حركة ، بين أن الأمر ليس كذلك فقال مظهرا خارقا آخر في جريها :
تَجْرِي
أي السفينة
بِأَعْيُنِنا
أي محفوظة أن تدخل بحر الظلمات ، أو يأتي عليها غير ذلك من الآفات ، بحفظنا على ما لنا من العظمة حفظ من ينظر الشيء كثرة ولا يغيب عنه أصلا ، وجوزوا أن يكون جمع تكسير لعين الماء ، ثم علل ذلك بقوله :
جَزاءً
أي لعبدنا نوح عليه السّلام ، ولكنه عبر هنا بما يفهم العلة ليحذر السامع وقوع مثل ذلك العذاب له إن وقع منه مثل فعل قومه فقال :
لِمَنْ
وعبر عن طول زمان كفرهم بقوله :
كانَ كُفِرَ *
أي وقع الكفر به وهو أجل النعم ، فقال على أهل ذلك الزمان وذلك جزاء من كفر النعم ، ويجوز أن يكون المراد به قومه بين أنه وقع الكفر منهم وقوعا كأنهم مجبولون عليه حتى كأنه وقع عليهم لتوافق قراءة مجاهد بالبناء للفاعل . ولما تم الخبر عن نجاته بحمله فيها ، نبه عن آثارها بقوله :
وَلَقَدْ تَرَكْناها
أي هذه الفعلة العظيمة من جري السفينة على هذا الوجه وإبقاء نوعها دالة على ما لنا من العظمة ، وقيل : تلك السفينة بعينها بقيت على الجودي حتى أدرك بقايا ما هذه الأمة
آيَةً
أي علامة عظيمة على ما لنا من العلم المحيط والقدرة التامة
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ *
أي مجتهد في التذكير بسبب هذا الأمر لما يحق على الخلق من شكر الخالق بما هدت إليه رسله كما قالوه . ولما قدم تعالى قوله :
فَما تُغْنِ النُّذُرُ
وأتبعه ذكر إهلاكه المكذبين ، وكان ما ذكره من شأنهم أمرهم في الجلالة والعظمة بحيث يحق للسامع أن يسأل عنه ويتعرف أحواله ليهتدي بها على ذلك بقوله مسببا عن التذكير باستفهام الإنكار والتوبيخ :
فَكَيْفَ كانَ
أي وجد وتحقق
عَذابِي
أي لمن كذب وكفر وكذب رسلي
وَنُذُرِ *
أي الإنذارات الصادرة عني والمنذرون المبلغون عني فإنه أنجى نوحا عليه السّلام ومن آمن