الجار :
إِنَّا كُنَّا قَبْلُ
أي في دار العمل
فِي أَهْلِنا
على ما لهم من العدد والعدد والنعمة والسعة ، ولنا بهم من جوالب اللذة والدواعي إلى اللعب
مُشْفِقِينَ *
أي عريقين في الخوف من اللّه لا يلهينا عنه شيء مع لزومنا لما نقدر عليه من طاعته لعلمنا بأنا لا نقدره لما له من العظمة والجلال والكبرياء والكمال حق قدره ، وأنه لو وأخذنا بأصغر ذنوبنا أهلكنا ، قال الرازي : والإشفاق : دوام الحذر مقرونا بالترحم ، وهو أن يشفق على النفس قبل أن تجمح إلى العناد ، وله أقسام : إشفاق على العمل أن يصير إلى الضياع ، وإشفاق على الخليقة لمعرفة مقاديرها ، وإشفاق على الوقت أن يشوبه تفرق وعلى القلب أن يمازجه عارض وعلى النفس أن يداخلها سبب - انتهى .
ولما حكى عنهم سبحانه أنهم أثبتوا لأنفسهم عملا تدريبا لمن أريدت سعادته ، فكان بحيث يظن أنهم رأوه هو السبب لما وصلوا إليه ، قالوا نافين لهذا الظن ، مبينين أن ما هم فيه إنما هو ابتداء تفضل من اللّه تعالى لأن إشفاقهم منه سبحانه لكيلا يعتمد الإنسان على شيء من عمله فلا يزال معظما لربه خائفا منه :
فَمَنَّ اللَّهُ
الذي له جميع الكمال بسبب إشفاقنا منه
عَلَيْنا
بما يناسب كماله فأمّننا
وَوَقانا
أي وجنبنا بما سترنا به
عَذابَ السَّمُومِ *
أي الحر النافذ في المسام نفوذ السم .
[ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 28 إلى 34 ]
إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ( 28 ) فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ ( 29 ) أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ ( 30 ) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ ( 31 ) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ ( 32 )
أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ ( 33 ) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ ( 34 )
ولما ذكروا إشفاقهم ، بينوه مؤكدين أيضا لمثل ذلك بقولهم :
إِنَّا كُنَّا
أي بما طبعنا عليه وهيئنا له . ولما كان الدعاء بمعنى فعل العبادة ، وكانت تقع في بعض الزمان ، أثبت الجار إشارة إلى ذلك مع إسقاطه قبل هذا في الدعاء بالقوة إشارة إلى أن التحلي بالفضائل يرضى منه باليسر ، والتخلي عن الرذائل لا بد فيه من البراءة عن كل قليل وكثير فقيل :
مِنْ قَبْلُ
أي في الدنيا
نَدْعُوهُ
أي نسأله ونعبده بالفعل ، وأما خوفنا بالقوة فقد كان في كل حركة وسكنة ، ثم عللوا دعاءهم إياه مؤكدين لأن إنعامه عليهم مع تقصيرهم مما لا يكاد يفعله غيره ، فهو مما يعجب منه غاية العجب فقالوا :
إِنَّهُ هُوَ
أي وحده
الْبَرُّ
الواسع الجود الذي عطاؤه حكمة ومنعه رحمة ، لأنه لا ينقصه إعطاء ولا يزيده منع ، فهو يبر عبده المؤمن بما يوافق نفسه فربما بره بالنعمة وربما بره بالبؤس ، فهو يختار له من الأحوال ما هو خير له ليوسع له في العقبى ، فعلى المؤمن أن