رواية رويس عن يعقوب
أَنْ تُفْسِدُوا
أي توقعوا الإفساد العظيم الذي يستمر تجديده منكم
فِي الْأَرْضِ
بقتال يكرهه اللّه ويسخطه ويغضب أشد غضب على فاعله وتكونوا في غاية الجرأة عليه ، فإن الذي رحمكم بإنزال ما أنزل حكم بأن من جبن عما يرضيه رغبة في الآخرة اجترأ على ما يسخطه حبا في الدنيا ، وقد كنتم في الجاهلية على ذلك في الغارة من بعضكم على بعض ونحو ذلك
وَتُقَطِّعُوا
تقطيعا عظيما شديدا كثيرا منتشرا كبيرا
أَرْحامَكُمْ *
فتكونوا بذلك أعزة على المؤمنين كما كنتم أذلة على الكافرين ، وأقل ما في إعراضكم خذلانكم للمؤمنين المجاهدين بما قد يكون سببا لظهور الكافرين عليهم فتكونوا بذلك قد جمعتم بين قطيعة أرحامهم وفقدكم لما كان يصل إليكم من منافعهم ، فإن كففتم بعدهم عن قتلهم كنتم مع ما فاتكم من خيرهم أجبن الناس وأرضاهم بالعار ، وإن تعاطيتم الأخذ بثأرهم كنتم كمن أخذ في فعل ما أمر به بعد فواته وأن له ذلك ، وقد علم من هذا أن من أمر بالمعروف وجاهد أهل المنكر أمن الإفساد في الأرض وقطيعة الرحم ، ومن تركه وقع فيهما ، ويمكن أن يكون « توليتم » من ولاية الأمر ، فتكون الآية مشيرة إلى ولاية الفجرة ومنذرة بذلك أن اصنع الأمر بالمعروف ، وقد وقع ذلك وشوهد ما ابتنى عليه من الفساد والقطيعة ، وعزائم الأنكاد وسوء الصنيعة .
[ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 23 إلى 26 ]
أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ ( 23 ) أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ( 24 ) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ ( 25 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ ( 26 )
ولما بين لهم ما يكون ممن تثاقل عن أمر اللّه ، لأن الملك لا يطرق احتمالا في شيء إلا وهو واقع فرقا بين كلامه وكلام غيره ، فكيف بملك الملوك المحيط بكل شيء قدرة وعلما ، بين حالهم الذي أنتج لهم ذلك ، فقال ملتفتا عنهم إيذانا بالغضب مخاطبا لمن جبل على الشفقة على خلق اللّه والرحمة لهم إعلاما له بأن هؤلاء قد تحتم شقاؤهم فليسوا بأهل للشفاعة فيهم ولا للأسى عليهم :
أُولئِكَ
أي البعداء البغضاء
الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ
أي طردهم أشد الطرد الملك الأعظم لما ذكر من إفسادهم وتقطيعهم ؛ ثم سبب عن لعبهم قوله تعالى :
فَأَصَمَّهُمْ
عن الانتفاع بما يسمعون
وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ *
عن الارتفاق بما يبصرون ، فليس سماعهم سماع ادكار ، ولا إبصارهم إبصار اعتبار ، فلا سماع لهم ولا إبصار .