تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
لما يحملانه عليه من نتائج الشهوات ونوازع الغضب والبطالات ، عبر بما يدل على القحط والشؤم والضيق تنبيها على ذلك ، فقال شارحا للاستواء ومعبرا عنه :
وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً
فاجتمع أشده وتم حزمه وجده ، وزالت عنه شرة الشباب وطيش الصبا ورعونة الجهل ، ولذلك كان هذا السن وقت بعثة الأنبياء ، وهو يشعر بأن أوقات الصبى أخف في المؤاخذة مما بعدها وكذا ما بين أول الأشد والأربعين
قالَ
إن كان محسنا قابلا لوصية ربه :
رَبِّ
أي أيها المحسن إليّ بالإيجاد وتيسير الأبوين وغيرهما وتسخيره
أَوْزِعْنِي
أي اجعلني أطيق
أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ
أي وازعا للشكر أي كافا مرتبطا حتى لا يغلبني في وقت من الأوقات ، وذلك الشكر بالتوحيد في العبادة كما أنه يوحد بنعمة الإيجاد والترزيق ، ووحدها تعظيما للأمر بالإشارة إلى أن النعمة الواحدة لا يبلغ شكرها إلا بمعونة اللّه مع أن ذكر الأبوين يعرف أن المراد بها الجنس . ولما كان ربما ظن ظان أن المراد بنعمته قدرته على الإنعام ليكون المعنى : أن أشكر لك لكونك قادرا على الإنعام ، قال :
الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ
أي بالفعل لوجوب ذلك عليّ لخصوصه بي
وَعَلى والِدَيَّ
ولو بمطلق الإيجاد والعافية في البدن ، لأن النعمة عليهما نعمة عليّ ، وقد مضى في النمل ما يتعين استحضاره هنا . ولما كان المقصود الأعظم من النعمة الماضية نعمة الإيجاد المراد من شكرها التوحيد ، أتبعها تمام الشكر فقال :
وَأَنْ أَعْمَلَ
أي أنا في خاصة نفسي
صالِحاً .
ولما كان الصالح في نفسه قد لا يقع الموقع لعدم الإذن فيه قال :
تَرْضاهُ
والتنكير إشارة إلى العجز عن بلوغ الغاية فإنه لن يقّدر اللّه حق قدره أحد . ولما دعا لنفسه بعد أن أوصى برعاية حق أبيه ، لقنه سبحانه الدعاء لمن يتفرع منه ، حثا على رعاية حقوقهم لئلا يسلطهم على عقوقه فقال :
وَأَصْلِحْ
أي أوقع الإصلاح ، وقال :
لِي فِي ذُرِّيَّتِي
لأن صلاحهم يلحقه نفعه ، والمراد بقصر الفعل وجعلهم ظرفا له أن يكون ثابتا راسخا ساريا فيهم وهم محيطون به فيكونوا صالحين . ولما استحضر عند كمال العقل في الأربعين أن ما مضى من العمر كان أغلبه ضائعا فدعا ، وكان من شرط قبول الدعاء التوبة ، علله بقوله :
إِنِّي تُبْتُ
أي رجعت
إِلَيْكَ
أي عن كل ما يقدح في الإقبال عليك ، وأكده إعلاما بأن حاله في الإقبال على الشهوات حال من يبعد منه الإقلاع فينكر إخباره به ، وكذا قوله :
وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ *
أي الذين أسلموا ظواهرهم وبواطنهم لك فانقادوا أتم انقياد وأحسنه . ولما وصف هذا المؤمن بادئا به لكونه في سياق الإحسان ، وكان المراد بالإنسان