تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 9

مساهمون:

ص٩
أصدق من وعده ، ثم أكده بقوله :
حَقًّا
أي ثابتا ثباتا لا شيء مثله ، لأنه وعد من لا شيء مثله ولا كفوء له . ولما كان النفس الغريب جديرا بالتأكيد ، أتى بصفتين مما أفهمه الإتيان بالجلالة تصريحا بهما تأكيدا لأن هذا لا بد منه فقال :
وَهُوَ
أي وعد بذلك والحال أنه
الْعَزِيزُ
فلا يغلبه شيء
الْحَكِيمُ *
أي المحكم لما يقوله ويفعله ، فلا يستطاع نقضه ولا نقصه . ولما ختم بصفتي العزة - وهي غاية القدرة - والحكمة - وهي ثمرة العلم - دل عليهما باتقان أفعاله وإحكامها فقال :
خَلَقَ السَّماواتِ
أي على علوها وكبرها وضخامتها
بِغَيْرِ عَمَدٍ
وقوله :
تَرَوْنَها
دال على الحكمة ، إن قلنا إنه صفة لعمد أو استئناف ، إما أن قلنا بالثاني فلكون مثل هذا الخلق الكبير الواسع يحمل بمحض القدرة ، وإن قلنا بالأول فتركيب مثله على عمد تكون في العادة حاملة له وهي مع ذلك بحيث لا ترى أدخل في الحكمة وأدق في اللطافة والعظمة ، لأنه يحتاج إلى عملين : تخفيف الكثيف وتقوية اللطيف . ولما ذكر العمد المقلة ، اتبعه الأوتاد المقرة فقال :
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ
أي التي أنتم عليها ، جبالا
رَواسِيَ
والعجب أنها من فوقها وجميع الرواسي التي تعرفونها تكون من تحت ، تثبتها عن
أَنْ تَمِيدَ
أي تتمايل مضطربة
بِكُمْ
كما هو شأن ما على ظهر الماء . ولا ذكر إيجادها وإصلاحها للاستقرار . ذكر ما خلقت له من الحيوان فقال :
وَبَثَّ فِيها
أي فرق
مِنْ كُلِّ دابَّةٍ
ولما ذكر ذلك ، ذكر ما يعيش به ، فقال منبها لمظهر العظمة على أن ذلك وإن كان لهم في بعضه تسبب لا يقدر عليه إلا هو سبحانه :
وَأَنْزَلْنا
أي بما لنا من العزة اللازمة للقدرة ، وقدم ما لا قدرة لمخلوق عليه بوجه فقال :
مِنَ السَّماءِ ماءً
ولما تسبب عن ذلك تدبير الأقوات ، وكان من آثار الحكمة التابعة للعمل ، دل عليه بقوله :
فَأَنْبَتْنا
أي بما لنا من العلو في الحكمة
فِيها
أي الأرض بخلط الماء بترابها
مِنْ كُلِّ زَوْجٍ
أي صنف من النبات متشابه
كَرِيمٍ *
بما له من البهجة والنضرة الجالبة للسرور والمنفعة والكثرة الحافظة لتلك الدواب .

[ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 11 إلى 12 ]

هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 11 ) وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ( 12 )