يدل على النقص في حقنا ، وعلى الكمال في حقه ، ودل على التنزيه بالإشارة ليبين فهم الفهماء وعلم العلماء
وَهُوَ
أي وحده من حيث قوله الحق
يَهْدِي السَّبِيلَ *
أي الكامل الذي من شأنه أن يوصل إلى المطلوب إن ضل أحد في فعل أو قول ، فلا تعولوا على سواء ولا تلتفتوا أصلا إلى غيره .
ولما كان كأنه قيل : فما تقول ؟ اهدنا إلى سبيل الحق في ذلك ، أرشد إلى أمر التبني إشارة إلى أنه هو المقصود في هذه السورة لما يأتي بعد من آثاره التي هي المقصودة بالذات بقوله :
ادْعُوهُمْ
أي الأدعياء
لِآبائِهِمْ
أي إن علموا ولدا قالوا :
زيد بن حارثة ؛ ثم علله بقوله :
هُوَ
أي هذا الدعاء
أَقْسَطُ
أي أقرب إلى العدل من التبني وإن كان إنما هو لمزيد الشفقة على المتبني والإحسان إليه
عِنْدَ اللَّهِ
أي الجامع لجميع صفات الكمال ، فلا ينبغي أن يفعل في ملكه إلا ما هو أقرب إلى الكمال ، وفي هذا بالنسبة إلى ما مضى بعض التنفيس عنهم ، وإشارة إلى أن ذلك التغليظ بالنسبة إلى مجموع القولين المتقدمين .
ولما كانوا قد يكونون مجهولين ، تسبب عنه قوله :
فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ
لجهل أصلي أو طارىء
فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ
إن كانوا دخلوا في دينكم
وَمَوالِيكُمْ
أي أرقاؤكم مع بقاء الرق أو مع العتق على كلتا الحالتين ، ولذا قالوا : سالم مولى أبي حذيفة . ولما نزل هذا قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام » - أخرجه الشيخان عن سعد بن أبي وقاص وأبي بكرة رضي اللّه عنهما .
ولما كانت عادتهم الخوف مما سبق من أحوالهم على النهي لشدة ورعهم ، أخبرهم أنه تعالى أسقط عنهم ذلك لكونه خطأ ، وساقه على وجه يعم ما بعد النهي أيضا فقال :
وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ
أي إثم وميل واعوجاج ، وعبر بالظرف ليعيد أن الخطأ لا إثم فيه بوجه ، ولو عبر بالباء لظن أن فيه إثما ، ولكنه عفا عنه فقال :
فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ
أي من الدعاء بالبنوة والمظاهرة أو في شيء قبل النهي أو بعده ، ودل قوله :
وَلكِنْ ما
أي الإثم فيما
تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ
على زوال الحرج أيضا فيما وقع بعد النهي على سبيل النسيان أو سبق اللسان ، ودل تأنيث الفعل على أنه لا يتعمده بعد البيان الشافي إلا قلب فيه رخاوة الأنوثة ، ودل جمع الكثرة على عموم الإثم إن لم ينه المتعمد .
ولما كان هذا الكرم خاصا بما تقدمه ، عم سبحانه بقوله :
وَكانَ اللَّهُ
أي لكونه لا أعظم منه ولا أكرم منه
غَفُوراً رَحِيماً *
أي من صفته الستر البليغ على المذنب النائب ، والهداية العظيمة للضال الآئب ، والإكرام بإيتاء الرغائب .