صنعا نافذا هو كالقضاء لا تخلف فيه
فِي يَوْمَيْنِ
أي الخميس والجمعة إذا حسب مقدار ما يخصهن من التكوين في الستة الأيام التي كان فيها جميع الخافقين ، وما بينهما كان بمقدار ما خص واحدا من الأرض ومن أقواتها لا يزيد على مدة منهما ولا ينقص ، فيكون الذي خصهما ثلث المجموع ، قال ابن جرير : وإنما سمي يوم الجمعة لأن اللّه تعالى جمع فيه خلق السماوات والأرض . يعني فرغ من ذلك وأتمه
وَأَوْحى
أي ألقى بطريق خفي وحكم مبتوت قوي
فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها
أي الأمر الذي دبرها ودبر منافعها به على نظام محكم لا يختل ، وزمام مبرم لا ينحل .
ولما عم ، خص ما للتي تلينا إشارة إلى تشريفنا ، فقال صارفا القول إلى مظهر العظمة تنبيها على ما في هذه الآية من العظم :
وَزَيَّنَّا
أي بما لنا من العظمة
السَّماءَ الدُّنْيا
أي القربى إليكم لأجلكم
بِمَصابِيحَ
من زواهر النجوم ، وشفوفها عنها لا ينافي أن تكون في غيرها مما هو أعلى منها ، ودل السياق على أن المراد : زينة
وَ
حفظناها بها
حِفْظاً
من الشياطين ، فالآية من الاحتباك : حذف فعل الحفظ بدلالة المصدر ، ومصدر الزينة بما دل عليه من فعلها .
ولما كان هذا أمرا باهرا ، نبه على عظمته بقوله صارفا الخطاب إلى صفتي العز والعلم إعلاما بأنهما أساس العظمة ومدارها :
ذلِكَ
أي الأمر الرفيع والشأن البديع
تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ
الذي لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء
الْعَلِيمِ *
المحيط علما بكل شيء وكما قدر سبحانه ذلك بعزته وعلمه قضى أنه لا يفيد العز الدائم إلا ما شرعه من العلم ، وفي ختمه بالوصفين بشارة للأمة التي خوطبت بهما أنه يؤتيها من عزه وعلمه لا سيما بالهبة وما شاكلها من الطبائع وغيرها ما لم يؤت أمة من الأمم قبلها ، وسر خلقه سبحانه العالم في مدة ولم يكن في لمحة وجعلها ستة لا أقل ولا أكثر أنه لو خلقه في لمحة لكان ذلك شبهة لمن يقول : إنه فاعل بالذات لا بالاختيار ، فاقتضى الحال عددا ، ثم اقتضى الحال أن يكون ستة لأنها أول عدد يدل على الكمال لأنها عدد تام كسورها لا تزيد عنها ولا تنقص ، فآذن ذلك بأن للفاعل نعوت الكمال وأوصاف التمام والتعال ، ولم يخلقه فيما دون ذلك من العدد لأنه ناقص ، وخلق الأرض في يومين لأن الاثنين عدد يدل على الفردانية فهو قائد للعبيد إلى التوحيد ، وجعل اليومين مكررين باعتبار الذات والمنافع إيذانا بما يقع فيها من المعصية بالشرك الذي هو تثنية وإفك ، ولم يكرر في السماء لأن آياتها أدل على التوحيد ولم يحصل من أهلها ما يدل على الوعيد ، وليكون إيجادها في أقل من مدة الأرض - مع أنها أكبر جرما وأعجب صنعا وأتقن جسما - أدل على الفعل بالاختيار بعجائب الحكم وغرائب الأسرار الكبار .