بِغَيْرِ الْحَقِّ
فأشعر أن السرور لا ينبغي إلا إذا كان مع كمال هذه الحقيقة ، وهي الثبات دائما للمفروح به ، وذلك لا يكون إلا في الجنة
وَبِما
أي وبسبب ما
كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ *
أي تبالغون في الفرح مع الأشر والبطر والنشاط الموجب الاختيال والتبختر والخفة بعدم احتمال الفرح .
ولما كان السياق لذم الجدال ، وكان الجدال إنما يكون عن الكبر ، وكان الفرح غير ملازم للكبر ، لم يسبب دخول النار عنه ، بل جعله كالنتيجة لجميع ما مضى فقال :
ادْخُلُوا
أي أيها المكذبون . ولما كان في النار أنواع من العذاب ، دل على تعذيبهم بكل نوع منها بذكر الأبواب جزاء على ما كانوا يخوضون بجدالهم في كل نوع من أنواع الأباطيل فقال :
أَبْوابَ جَهَنَّمَ
أي الدركة التي تلقي صاحبها بتكبر وعبوسة وتجهم
خالِدِينَ فِيها
أي لازمين لما شرعتم فيه بالدخول من الإقامة لزوما لابراح منه أصلا .
ولما كانت نهاية في البشاعة والخزي والسوء ، وكان دخولهم فيها مقرونا بخلودهم سببا لنحو أن يقال : فهي مثواكم ، تسبب عنه قوله :
فَبِئْسَ مَثْوَى
دون أن يقال :
مدخل
الْمُتَكَبِّرِينَ *
أي موضع إقامتهم المحكوم بلزومهم إياه لكونهم تعاطوا ما ليس لهم ، ولا ينبغي أن يكون إلا اللّه يقول اللّه تعالى : « الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعنيهما قصمته » « 1 » ولم يؤكد جملة ( بئس ) هنا لأن مقاولتهم هذه بنيت على تجدد علمهم في الآخرة بأحوال النار ، وأحوال ما سببها ، والتأكيد يكون للمنكر ومن في عداده ، وحال كل منهما مناف للعلم ، وزاد ذلك حسنا أن أصل الكلام مع الأعلم للسر الذي تقدم - صلّى اللّه عليه وسلّم فبعد جدا من التأكيد . ولما كان في هذا الجزاء أعظم الشماتة بهم ، فكان فيهم أعظم التسلية لمن جادلوه وتكبروا عليه ، سبب عنه قوله :
فَاصْبِرْ
أي ارتقابا لهذه النصرة ، ثم علل بقوله مؤكدا لأجل تكذيبهم بالوعد :
إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ
أي الجامع لصفات الكمال
حَقٌّ
أي في نصرتك في الدارين فلا بد من وقوعه ، وفيه أعظم تأسية لك ولذلك سبب عنه مع صرف القول إلى ما يأتي الاعتراض إشارة إلى أنه لا يسأل عما يفعل ، قوله تعالى :
فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ
وأكده ب « ما » والنون ومظهر العظمة لإنكارهم لنصرته عليهم ولبعضهم
بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ
أي بما لنا من العظمة مما يسرك فيهم من عذاب أو متاب قبل وفاتك ، فذاك إلينا وهو علينا هين .
هامش
( 1 ) صحيح . أخرجه مسلم 2620 والبخاري في الأدب المفرد 552 من حديث أبي سعيد وأبي هريرة .
وأخرجه أبو داود 4090 وابن حبان 328 وابن ماجة 4174 والطيالسي 2387 وأحمد 2 / 248 و 376 من حديث أبي هريرة .