لهم ، ولو بأن يقيض سبحانه لأعدائهم من يقتض منهم ولو بعد حين ، وأقل ذلك أن لا يتمكن أعداؤهم من كل ما يريدون منهم
وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ *
أي في الدار الآخرة من الملائكة والنبيين وسائر المقربين ، جمع شهيد كشريف وأشراف ، إشارة إلى أن شهادتهم بليغة في بابها ، لما لهم من الحضور التام ، وإلى ذلك يشير تذكير الفعل والتعبير بجمع القلة ، ولكن الجياد قليل مع أنهم بالنسبة إلى أهل الموقف كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود ، وإنما عبر بذلك إشارة إلى تجلي الحكم العدل بصفات الجبروت للقسط ، فيرفع أولياءه بكل اعتبار ، ويهين أعداءهم كل إهانة .
ولما وصف اليوم الآخر بما لا يفهمه كثير من الناس ، أتبعه ما أوضحه على وجه بين نصره لهم غاية البيان ، فقال مبدلا مما قبله :
يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ
الذين كانوا عريقين في وضع الأشياء في غير مواضعها
مَعْذِرَتُهُمْ
أي اعتذارهم وزمانه ومكانه - بما أشار إليه كون المصدر ميميا ولو جل - بما أشار إليه قراءة التذكير للفعل ، فعلم بذلك أنهم لا يجدون دفاعا بغير الاعتذار ، وأنه غير نافعهم لأنهم لا يعتذرون إلا بالكذب
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
[ الأنعام : 23 ] أو بالقدر
رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا
[ المؤمنون : 106 ]
وَلَهُمُ
أي خاصة
اللَّعْنَةُ
أي البعد عن كل خير ، مع الإهانة بكل ضير
وَلَهُمُ
أي خاصة
سُوءُ الدَّارِ *
وهي النار الحاوية لكل سوء - هذا مع ما يتقدمها من المواقف الصعبة ، وإذا كان هذا لهم فما ظنك بما هو عليهم ، وقد علم من هذا أن لأعدائهم - وهم الرسل وأتباعهم - الكرامة والرحمة ولهم قبول الاعتذار وحسن الدار ، فظهرت بذلك أعلام النصرة ، وصح ما أخبر به من تمام القدرة .
ولما كان التقدير : فلقد نصرنا موسى رسولنا مع إبراق فرعون وإرعاده ، عطف عليه قوله دالا على الكرامة والرحمة ، مؤكدا لإزالة ما استقر في النفوس من أن ملوك الدنيا لا يغلبهم الضعفاء :
وَلَقَدْ آتَيْنا
أي بما لنا من العزة
مُوسَى الْهُدى
أي في الدين اللازم منه أن يكون له العاقبة وإن تناهت ضخامة من يعانده ، لأنه ضال عن الهدى ، والضال هالك وإن طال المدى ، وذلك بما آتيناه من النبوة والكتاب .
ولما كانت النبوة خاصة والكتاب عاما قال :
وَأَوْرَثْنا
أي بعظمتنا
بَنِي إِسْرائِيلَ
بعد ما كانوا فيه من الذل
الْكِتابَ *
أي الذي أنزلنا عليه وآتيناه الهدى به - وهو التوراة - إيتاء هو كالإرث لا ينازعهم فيه أحد ، ولا أهل له في ذلك الزمان غيرهم ، حال كونه
هُدىً
أي بيانا عاما لكل من تبعه
وَذِكْرى
أي عظة عظيمة
لِأُولِي الْأَلْبابِ *
أي القلوب الصافية والعقول الوافية الشافية ، فذكر إيتاء موسى الثمرة وذكر إيراثهم السبب إشارة إلى أن منهم من جنى ثمرته فاهتدى ، ومنهم من ضل ، وذلك تحذير للاتباع ، وتشريف للأنبياء بما نالوه من مراتب الارتفاع .