وتلاشيهم عند المصادمة ، وإن كانوا في غاية القوة بالنسبة إلى أبناء جنسهم :
كَذَّبَتْ
ولما كان تكذيبهم عظيما وكان زمانه قديما وما قبله من الزمان قليلا بالنسبة إلى ما بعده وطال البلاء بهم ، جعل مستغرقا بجميع الزمان ، فقال من غير خافض :
قَبْلَهُمْ
ولما كان الناس على زمن نوح عليه السّلام حزبا واحدا مجتمعين على أمر واحد ولسان جامع ، وحدهم فقال :
قَوْمُ نُوحٍ
أي وقد كانوا في غاية القوة والقدرة على القيام بما يحاولونه وكانوا حزبا واحدا لم يفرقهم شيء . ولما كان الناس من بعدهم قد كثروا وفرقهم اختلاف الألسنة والأديان ، وكان للاجمال من الروع في بعض المواطن ما ليس للتفصيل قال :
وَالْأَحْزابُ
أي الأمم المتفرقة الذين لا يحصون عددا ، ودل على قرب زمان الكفر من الإنجاء من الغرق بقوله :
مِنْ بَعْدِهِمْ .
ولما كان التكذيب وحده كافيا في الأذى ، دل على أنهم زادوا عليه بالمبالغة في المناصبة بالمعاندة ، وقدم قصد الإهلاك لأنه أول ما يريده العدو فإن عجز عنه نزل إلى ما دونه فقال :
وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ
أي من الأحزاب المذكورين
بِرَسُولِهِمْ
أي الذي أرسلناه إليهم . ولما كان الأخذ يعبر به عن الغلبة والقهر والاستصغار مع الغضب قال :
لِيَأْخُذُوهُ
ولما كان سوق الكلام هكذا دالا على أنهم عجزوا عن الأخذ ، ذكر أنهم بذلوا جهدهم في المغالبة بغيره ، فقال حاذفا للمفعول تعميما :
وَجادَلُوا بِالْباطِلِ
أي الأمر الذي لا حقيقة له ، وليس له من ذاته إلا الزوال ، كما تفعل قريش ومن انضوى إليهم من العرب ، ثم بين علة مجادلتهم فقال :
لِيُدْحِضُوا
أي ليزلقوا فيزيلوا
بِهِ الْحَقَّ
أي الثابت ثباتا لا حيلة في إزالته .
ولما كان من المعلوم لكل ذي لب أن فاعل ذلك مغلوب ، وأن فعله مسبب لغضب المرسل عليه ، قال صارفا القول إلى المتكلم دفعا للالباس ، وإشارة إلى شدة الغضب وجرده عن مظهر العظمة استصغارا لهم :
فَأَخَذْتُهُمْ
أي أهلكتهم وهم صاغرون غضبا عليهم وإهانة لهم . ولما كان أخذه عظيما ، دل على عظمته بأنه أهل لأن يسأل عن حاله لزيادة عظمتها في قوة بطشها وسرعة إهلاكها وخرقها للعوائد فقال :
فَكَيْفَ كانَ عِقابِ *
ومن نظر ديارهم وتقرى آثارهم وقف على بعض ما أشرنا إليه ونبهنا عليه ، وحذف ياء المتكلم إشارة إلى أن أدنى شيء من عذابه بأدنى نسبة كاف في المراد وإن كان المعذب جميع العباد .
ولما كان التقدير : فحقت عليهم كلمة اللّه لأخذهم على هذا الجدال إنهم أصحاب النار التي جادلوا فيها ، عطف عليه قوله :
وَكَذلِكَ
أي ومثل ما حقت عليهم كلمتنا بالأخذ ، فلم يقدروا على التفصي من حقوقها
حَقَّتْ
بالأخذ والنكال
كَلِمَةُ