تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
نسبة المفرط لصاحبه إلى الغفلة عنه ، وذلك أمر لا يغفر ، قال :
فِي جَنْبِ
وصرف القول إلى الاسم الأعظم لزيادة التهويل بقوله :
اللَّهِ
أي حق الملك الأعظم الذي هو غير مغفول عنه ولا متهاون به . ولما كان المضرور المعذب المقهور يبالغ في الاعتراف ، رجاء القبول والانصراف ، قال مؤكدا مبالغة في الإعلام بالإقلاع عما كان يقتضيه حاله ، ويصرح به مقاله ، من أنه على الحق واجد الجد :
وَإِنْ
أي والحال أني
كُنْتُ
أي كان ذلك في طبعي
لَمِنَ السَّاخِرِينَ *
أي المستهزئين المتكبرين المنزلين أنفسهم في غير منزلتها ، وذلك أنه ما كفاني المعصية حتى كنت أسخر من أهل الطاعة ، أي تقول : هذا لعله يقيل منها ويعفي عنها على عادة المترققين في وقت الشدائد ، لعلهم يعادون إلى أجمل العوائد . ولما كانت النفس إذا وقعت في ورطة لا تدع وجها محتملا حتى تتعلق بأذياله ، وتمت بحباله وتفتر بمحاله ، قال حاكيا كذبها حيث لا يغني إلا الصدق :
أَوْ تَقُولَ
أي عند نزول ما لا قبل لها به
لَوْ أَنَّ
وأظهر ولم يضمر إظهارا للتعظيم وتلذذا بذكر الاسم الشريف فقال :
اللَّهَ
أي الذي له القدرة الكاملة والعلم الشامل
هَدانِي
أي ببيان الطريق
لَكُنْتُ
أي ملازما ملازمة المطبوع على كوني
مِنَ الْمُتَّقِينَ *
أي الذي لا يقدمون على فعل ما لم يدلهم عليه دليل .

[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 58 إلى 62 ]

أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 58 ) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ ( 59 ) وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ ( 60 ) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 61 ) اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 62 ) ولما ذكر حالها في الاعتراف بالبطلان ، ثم الفزع إلى الزور والبهتان ، أتبعه التمني الذي لا يفيد غير الخسران ، فقال :
أَوْ تَقُولَ
أي تلك النفس المفرطة
حِينَ تَرَى الْعَذابَ
أي الذي هاجمها للرحمة أو النقمة :
لَوْ أَنَّ
أي يا ليت
لِي كَرَّةً
أي رجعة إلى دار العمل لأتمكن منه
فَأَكُونَ
أي فيتسبب عن رجوعي إليها أن أكون
مِنَ الْمُحْسِنِينَ *
أي العاملين بالإحسان الذي دعا إليه القرآن ، هذا الإعراب - وهو عطفه على الجواب - أوفق لبقية الآيات التي من سلكه . ولما حذر سبحانه بما يكون للمأخوذ من سيىء الأحوال وفظيع الأهوال ، وكان
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 464 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي