المطابق للواقع ، فصدق على اللّه ، وتعريفه يدل على كماله ، فيشير إلى أن الإتيان به ديدنه لا يتعمد كذبا
وَصَدَّقَ بِهِ
أي بكل صدق سمعه وقام عليه الدليل ، وليس هو بجموده عدو ما لم يعلم ، فهو يكذب بكل ما لم يسمع ، فمن أعدل منه لكونه صدق على اللّه وصدق بالصدق إذ جاءه واستمر عليه ، ولعله أفرد الضمير إشارة إلى قلة الموصوف بهذا الوصف من الصدق ، وهذا الفريق هو الرسل وأتباعهم ، ولذلك حصر التقوى فيهم ، فقال مشيرا بالجمع إلى عظمتهم وإن كانوا قليلا :
أُولئِكَ
أي العالو الرتبة
هُمُ
أي خاصة
الْمُتَّقُونَ *
الذين جانبوا الظلم ، فليس لجهنم عليهم سبيل ، ولا لهم فيها منزل ولا مقيل ، بل الجنة منزلهم ، أليس في الجنة منزل للمتقين ؟ فالآية من الاحتباك : ذكر أولا المثوى في جهنم دليلا على حذف ضده ثانيا ، والاتقاء ثانيا دليلا على حذف ضده أولا ، وسره أنه ذكر أنكأ ما للمجرم من الكفر وسوء الجزاء . وأسرّ ما للمسلم من قصر التقوى عليه ، وذكر أحب جزائه إليه ، والإشارة إلى عراقته في الإحسان ، وفي الآيات احتباك آخر وهو أنه ذكر الكذب والتكذيب أولا دليلا على الصدق والتصديق ثانيا ، والاتقاء وجزاءه وما يتبعه ثانيا دليلا على ضده أولا ، وسره أنه ذكر في شق المسئ أنكأ ما يكون من الكذب والتكذيب في أقبح مواضعه ، ولا سيما عند العرب ، وأسر ما يكون في شق المحسن من استقامة الطبع وحسن الجزاء .
[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 34 إلى 37 ]
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ ( 34 ) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ ( 35 ) أَ لَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ ( 36 ) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَ لَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ ( 37 )
. ولما مدحهم على تقواهم ، قال في جواب من سأل عن ثوابهم ، فقال لافتا القول إلى صفة الإحسان تعريفا بمزيد إكرامهم :
لَهُمْ ما يَشاؤُنَ
أي يتجدد لهم إرادته متى أرادوه
عِنْدَ رَبِّهِمْ
أي المحسن إليهم اللطيف بهم في الدنيا والآخرة لأنهم سلموا له في الأولى ما يشاء ، فسلم لهم في الأخرى ما يشاؤون . ولما كان أعظم الجزاء ، مدحه على وجه بين علته وأوجب عمومه فقال :
ذلِكَ
أي الثواب الكبير
جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ *
أي كل من اتصف بالإحسان كما اتصفوا به بالتقوى ، فأحبه اللّه سبحانه كما أحبهم ، فكان سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها .
ولما كان العاقل من قدم في كل أمر الأهم فالأهم فميز بين خير الخيرين فأتبعه ،