السوابق
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى
ثم عطف سبحانه على الجميع فدعاهم إلى تقواه ، وحذرهم يوم المعاد وشدته ، وحذرهم من الاغترار ، وأعلمهم أنه المتفرد بعلم الساعة ، وإنزال الغيث ، وعلم ما في الأرحام ، وما يقع من المكتسبات ، وحيث يموت كل من المخلوقات ، فلما كانت سورة لقمان - بما بين من مضمنها - محتوية من التنبيه والتحريك على ما ذكر ، ومعلمة بانفرداه سبحانه بخلق الكل وملكهم ، اتبعها تعالى بما يحكم بتسجيل صحة الكتاب ، وأنه من عنده وأن ما انطوى عليه من الدلائل والبراهين يرفع كل ريب ، ويزيل كل شك ، فقال :
ألم تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ
أي أيقع منهم هذا بعد وضوحه وجلاء وشواهده ، ثم أتبع ذلك بقوله :
ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ
وهو تمام لقوله :
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ
ولقوله :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
ولقوله :
وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
ولقوله : اتقوا ربكم
ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ
بما ذكرتم ، ألا ترون أمر لقمان وهدايته بمجرد دليل فطرته ، فما لكم بعد التذكير وتقريع الزواجر وترادف الدلائل وتعاقب الآيات تتوقفون عن السلوك إلى ربكم وقد أقررتم بأنه خالقكم ، ولجأتم إليه عند احتياجكم ؟ ثم أعلم نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم برجوع من عاند وإجابته حين لا ينفعه رجوع ، ولا تغني عنه إجابة ، فقال :
وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ
ثم أعلم سبحانه أن الواقع منهم إنما هو بإرادته وسابق من حكمه ، ليأخذ الموفق الموقن نفسه بالتسليم فقال :
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها
كما فعلنا بلقمان ومن أردنا توفيقه ، ثم ذكر انقسامهم بحسب السوابق فقال :
أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ
ثم ذكر مصير الفريقين ومآل الحزبين ، ثم أتبع ذلك بسوء حال من ذكر فأعرض فقال :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها
وتعلق الكلام إلى آخر السورة - انتهى .
ولما كان هذا الذي قدمه أول السورة على هذا الوجه برهانا ساطعا ودليلا قاطعا على أن هذا الكتاب من عند اللّه ، كان - كما حكاه البغوي والرازي في اللوامع - كأنه قيل :
هل آمنوا به ؟
أَمْ يَقُولُونَ
مع ذلك الذي لا يمترىء فيه عاقل
افْتَراهُ
أي تعمد كذبه .
ولما كان الجواب : إنهم ليقولون : افتراه ، وكان جوابه : ليس هو مفتري لما هو مقارن له من الإعجاز ، ترتب عليه قوله :
بَلْ هُوَ الْحَقُّ
أي الثابت ثباتا لا يضاهيه ثبات شيء من الكتب قبله ، كائنا
مِنْ رَبِّكَ
المحسن إليك بإنزاله وإحكامه ، وخصه بالخطاب إشارة إلى أنه لا يفهم حقيقته حق الفهم سواه .