وأمر معبوداتهم منبها على أنه لا علة لهم في الحقيقة تحمل على عبادتها غير مكترث بكثرتهم ولا هائب لقوتهم ولامراع لميل الطبع البشري إلى مودتهم .
ولما لوح لهم بالإنكار ، صرح فقال مقدما للمفعول تخصيصا :
أَ إِفْكاً
أي صرفا للحق عن وجهه إلى قفاه . ولما جعل معبوداتهم نفس الإفك ، أبدل منه قوله :
آلِهَةً
ثم حقر شأنهم بقوله :
دُونَ اللَّهِ
أي الذي لا كفوء له
تُرِيدُونَ *
ولما كان قد غلب عليه الشهود عند تحقيره لهم ، سبب عن ذلك تهديدا على فعلهم عظيما ، فقال مشيرا إلى أنه يكفي العاقل في النهي ظن العطب :
فَما ظَنُّكُمْ
ولما كان كفران الإحسان شديدا ، ذكرهم بإحسانه حافظا لسياق التهديد بالإشارة إلى أنه يكفي في ذلك الخوف من قطع الإحسان فقال :
بِرَبِّ الْعالَمِينَ *
أي الذي توحد بخلق جميع الجواهر والأعراض وتربيتهم فهو مستحق لتوحيدهم إياه في عبادتهم ، أتظنون أنه لا يعذبكم وقد صرفتم ما أنعم به عليكم إلى عبادة غيره ، إشارة إلى إنكار تجويز مثل هذا ، وأن المقطوع به أن محسنا لا يرضى بدوام إدرار إحسانه إلى من ينسبه إلى غيره .
[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 88 إلى 96 ]
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ ( 88 ) فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ ( 89 ) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ ( 90 ) فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَ لا تَأْكُلُونَ ( 91 ) ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ ( 92 )
فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ ( 93 ) فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ ( 94 ) قالَ أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ ( 95 ) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ ( 96 )
ولما أفهم السياق شدة عداوته صلّى اللّه عليه وسلّم للشركاء ، وكان اللّه تعالى قد أجرى عادته بأن جعل في النجوم أدلة على بعض المسائل الظنية لا سيما البحرانات في أنواع الأسقام ، وكان أهل تلك البلاد وهم الكسدانيون كما تقدم في الأنعام وكما قاله ابن عباس رضي اللّه عنهما وكما دلت عليه كتب الفتوحات - من أشد الناس نظرا في النجوم والاستدلال بها على أحوال هذا العالم في بعض ما كان وبعض ما يكون ، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم يريد أن يتخلف عن الذهاب معهم إلى المحل الذي يجتمعون فيه للعيد ليكسر الأصنام ويريد إخفاء وقت الكسر عليهم ليتمكن من ذلك ، قال تعالى حاكيا عنه مشيرا إلى ذلك بالتسبب عما مضى :
فَنَظَرَ نَظْرَةً
أي واحدة
فِي النُّجُومِ *
حين طلبوا منه أن يخرج معهم إلى عيدهم لئلا ينكروا تخلفه عنهم موهما لهم أنه استدل بتلك النظرة على مرض باطني يحصل له ، لأنهم ربما أنكروا كونه مريضا إذا أخبرهم بغير النظر في النجوم لأن الصحة ظاهرة عليه
فَقالَ
أي عقب هذه النظرة موهما أنها سببه .
ولما كان بدنه صحيحا فكان بصدد أن يتوقف في خبره ، أكد فقال :
إِنِّي سَقِيمٌ *
فأوهم أن مراده أنه مريض الجسد وأراد أنه مريض القلب بسبب آلهتهم ، مقسم