فاغتنمت الهنا كما اغتنموا * وظننت الكؤوس بينهمو
أنجما في سما الهناء ترى * كل نجم يغيب في بدر
هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ *
أي شافون قلبي بأن تتركوا ما أنتم فيه من تمام اللذة وتكلفوا أنفسكم النظر معي في النار لتسروني بذلك .
[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 55 إلى 62 ]
فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ ( 55 ) قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ ( 56 ) وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ( 57 ) أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ ( 58 ) إِلاَّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ( 59 )
إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 60 ) لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ ( 61 ) أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ ( 62 )
ولما كان المحدث عنه المخلصين ، وهم أهل الجنة كلهم أو جلهم ، وكان الضمير يعود لما سبقه بعينه ، وكان مخاطبو هذا القائل إنما هم شربه ، وكان من المعلوم مما مضى من التقابل والتواد والتواصل بالمنادمة والتساؤل أنهم ينتدبون ندبهم إليه ويقبلون قطعا عليه ، وكان النافع لنا إنما هو قوله فقط في توبيخ عدوه وتغبيط نفسه ووليه ، لم يجمع الضمير لئلا يلبس فيوهم أنه للجميع ، وأعاده عليه وحده لنعتبر بمقاله ، ونتعظ بما قص علينا من حاله فقال :
فَاطَّلَعَ
أي بسبب ما رأى لنفسه في ذلك من عظيم اللذة ، إلى أهل النار
فَرَآهُ
أي ذلك القرين السوء
فِي سَواءِ الْجَحِيمِ *
أي في وسطها وغمرتها تضطرم عليه أشد اضطرام بما كان يضرم في قلبه في الدنيا من الحر كلما قال له ذلك المقال ، وسمي الوسط سواء لاستواء المسافة منه إلى الجوانب كمركز الدائرة ،
ثم استأنف الإخبار عن مكافأته له بما كان من تقريعه وتوبيخه على التصديق بالآخرة بقوله :
قالَ
أي لقرينه ذلك .
ولما كان لا يقع في فكر أنه كان يتلفت إلى قوله هذا نوع التفات لأنه ظاهر البطلان ، ولأن هذا القائل محكوم بأنه من أهل الجنة ، أكد قوله إشارة إلى أنه كان يؤثر فيه قوله في كثير من الأوقات بما يزينه به الشيطان وتحسنه النفوس بالشهوات ، والراحة من كلف الطاعات ، وساقه في أسلوب القسم تنبيها على التعجب من سلامته منه فقال :
تَاللَّهِ
وزاد التأكيد بعد ما علقه بالاسم الأعظم بالمخففة من المثقلة فقال :
إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ
أي إنك قاربت أن تهلكني وتجعلني في أردأ ما يكون من الأماكن ، وفي هذا التأكيد غاية الترغيب في الثبات لمن كان قريبا من التزلزل وفي المباعدة لقرناء السوء .
ولما ذكر سوء ما كان يأتي إليه ، ذكر حسن أثر اللّه سبحانه عنده ، فقال لافتا الكلام إلى صفة الإحسان لأنه مقامه :
وَلَوْ لا نِعْمَةُ رَبِّي
أي المحسن إليّ بما رباني به من تثبيتي عن أتباعك والتجاوز عني في مخالطتك
لَكُنْتُ
كونا ثابتا
مِنَ