المجنون تخليط ، كان كأنه قال في جوابهم : إنه لم يجئ بشرع ولا بجنون :
بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ
أي الكامل في الحقية .
ولما كان ما جاء به أهلا لكونه حقا لأن يقبل وإن خالف جميع أهل الأرض ، وكان موافقا مع ذلك لمن تقرر صدقهم واشتهر اتباع الناس لهم ، فكان أهلا لأن يقبله هؤلاء الذين أنزلوا أنفسهم عن أوج معرفة الرجال بالحق إلى حضيض معرفة الحق على زعمهم بالرجال ، فكان مآل أمرهم التقليد قال :
وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ *
أي الذين علم كل ذي لب أنهم أكمل بدور أضاء اللّه بهم الأكوان في كل أوان ، وتقدم في آخر سورة فاطر أنهم عابوا من كذبهم
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ
أحد منهم ليؤمنن به فكذبوا بأن كذبوا سيدهم بهذا الكلام المتناقض .
[ سورة الصافات ( 37 ) : الآيات 38 إلى 45 ]
إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ ( 38 ) وَما تُجْزَوْنَ إِلاَّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 39 ) إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ( 40 ) أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ ( 41 ) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ ( 42 )
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( 43 ) عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ ( 44 ) يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ( 45 )
. ولما وصلوا إلى هذا الحد من الطغيان ، والزور الظاهر والبهتان ، تشوف السامع إلى جزائهم فاستأنف الإخبار بذلك مظهرا له في أسلوب الخطاب إيذانا بتناهي الغضب ، فقال في قالب التأكيد نفيا لما يترجونه من العفو بشفاعة من ادعوا أنهم يقربونهم زلفى ، ووعظا لهم ولأمثالهم في الدنيا فيما ينكرونه حقيقة أو مجازا :
إِنَّكُمْ
أي أيها المخاطبون على وجه التحقير المجرمين
لَذائِقُوا
أي بما كنتم تضيقون أولياء اللّه
الْعَذابِ الْأَلِيمِ * .
ولما كان سبحانه الحكم العدل فلا يظلم أحدا مثقال ذرة فلا يزيد في جزائه شيئا على ما يستحق مع أن له أن يفعل ما يشاء ولا يكون فعله - كيفما كان - إلا عدلا قال :
وَما
أي والحال أنكم ما
تُجْزَوْنَ
أي جزءا من الجزاء
إِلَّا ما
أي مثل ما . ولما كانوا مطبوعين على تلك الخلال السيئة ، بين أنها كانت خلقا لهم لا يقدرون على الانفكاك عنها بالتعبير بأداة الكون فقال :
كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ *
نفيا لوهم من قد يظن أنهم فعلوا شيئا بغير تقديره سبحانه . ولما كان في المخاطبين بهذا من علم اللّه أنه سيؤمن ، واستثنى من واو « ذائقوا » قوله مرغبا لهم في الإيمان مشيرا إلى أنهم لا يحملهم على الثبات على ما هم عليه من الضلال إلا غش الضمائر بالرياء وغيره ، فهو استثناء متصل بهذا الاعتبار الدقيق :
إِلَّا عِبادَ اللَّهِ
فرغبهم بوصف العبودية الذي لا أعز منه ، وأضافهم زيادة في الاستعطاف إلى الاسم الأعظم الدال على جميع صفات الكمال ،