على داخليها وتضايقها ، وفيه تهكم بهم في كونهم على غير ما كانوا عليه في الدنيا من التناصر والتعاضد .
ولما كان المقصود من تعريفهم طريق النار أولا ازدياد الحسرة ، صرح بما أفهمه حرف الغاية من طول الحبس فقال :
وَقِفُوهُمْ
أي احبسوهم واقفين بعد ترويعهم بتلك الهداية التي سببها الضلال ، فكانت ثمرتها الشقاوة ، وإيقافهم يكون عند الصراط - نقله البغوي عن المفسرين ، قال : لأن السؤال عند الصراط . ثم علل ذلك بقوله :
إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ *
وجمع عليهم الهموم بهذه الكلمة لتذهب أوهامهم كل مذهب ، فلا تبقى حسرة إلا حضرتهم ، ولا مصيبة إلا علت قلوبهم فقهرتهم ، فإن المكلف كله ضعف وعورة ، فموقف السؤال عليه أعظم حسرة .
ولما أوقفوا هذا الموقف الذليل ، قد شغلهم ما دهمهم من الأسف عن القال والقيل ، نودوا من مقام السطوة ، وحجاب الجبروت والعزة ، زيادة في تأسيفهم وتوبيخهم وتعنيفهم لفتا عن سياق الغيبة إلى الخطاب دلالة على أعظم خيبة :
ما لَكُمْ
أي أيّ شيء حصل لكم فشغلكم وألهاكم حال كونكم
لا تَناصَرُونَ *
أي ينصر بعضكم بعضا ، ويتسابقون في ذلك تسابق المتناظرين فيه أولي الجد والشكيمة والنخوة والحمية ولو بأدنى التناصر - بما يفهمه إسقاط التاء ، أو بعد تمكث وإعمال حيلة - بما أشارت إليه قراءة البزي عن ابن كثير بالمد والإدغام : أين قولكم في بدر « نحن جميع منتصر » معبرين بما دل على ثبات المناصرة .
ولما كان قد دهمهم من الأمر ما أوجب إبلاسهم ، وأحدّ إدراكهم وإحساسهم ، أشار إلى ذلك بإحلالهم في محل الغيبة المؤذنة بالإبعاد بأن قال مضربا عما تقديره :
إنهم لا يتناصرون :
بَلْ هُمُ
وزاد في تعظيم ذلك الوقت والتذكير به فقال :
الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ *
أي ثابت لهم استسلامهم ثباتا لا زوال له ، قد خذل بعضهم بعضا موجدين الإسلام أي الانقياد إيجاد من كأنه يطلبه ويعظم فيه رغبته رجاء أن يخفف ذلك عنهم .
ولما أخبر بأنهم سئلوا فلم يجيبوا ، كان ربما ظن أنهم أخرسوا فنبه على أنهم يتكلمون بما يزيد نكدهم ، فقال عاطفا على قوله
وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ
إشارة إلى إقبالهم على الخصام ، حين تمام القيام ، والأخذ في تحريك الأقدام ، بالسير على هيئة الاجتماع والازدحام ، إلى مواطن النكد والاغتمام ، ولم يعطفه بالفاء لأنه ليس مسببا عن القيام ، ولا عن الإيقاف للسؤال ، بخلاف ما يأتي عن أهل الجنة :
وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ