تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 288

مساهمون:

ص٢٨٨
بصيغة فعيل فقيل :
الْعَلِيمُ *
أي البالغ في العلم الذي هو منشأ القدرة ، فلا يخفى عليه كلي ولا جزئي في ماض ولا حال ولا مستقبل شاهد أو غائب . ولما تقرر ذلك ، أنتج قوله مؤكدا لأجل إنكارهم القدرة على البعث :
إِنَّما أَمْرُهُ
أي شأنه ووصفه
إِذا أَرادَ شَيْئاً
أي إيجاد شيء من جوهر أو عرض أيّ شيء كان
أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ
أي أن يريده ؛ ثم عطف على جواب الشرط على قراءة ابن عامر والكسائي بالنصب ، واستأنف على قراءة غيره بالرفع بقوله :
فَيَكُونُ *
أي من غير مهلة أصلا على وفق ما أراد . ولما كان ذلك ، تسبب عنه المبادرة إلى تنزيهه تعالى عما ضربوه له من الأمثال فلذلك قال :
فَسُبْحانَ
أي تنزه عن كل شائبة نقص تبزها لا تبلغ أفهامكم كنهه ، وعدل عن الضمير إلى وصف يدل على غاية العظمة فقال :
الَّذِي بِيَدِهِ
أي بقدرته وتصرفه خاصة لا بيد غيره
مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ
أي ملكه التام وملكه ظاهرا وباطنا . ولما كان التقدير : فمنه تبدؤون ، عطف عليه قوله :
وَإِلَيْهِ
أي لا إلى غيره من التراب أو غيره ، ولفت القول إلى خطابهم استصغارا لهم واحتقارا فقال :
تُرْجَعُونَ *
أي معنى في جميع أموركم وحسا بالبعث لينصف بينكم ، فيدخل بعضا النار وبعضا الجنة ، ونبهت قراءة الجماعة بالبناء للمفعول على غاية صغارهم بكون الرجوع قهرا وبأسهل أمر ، وزادت قراءة يعقوب بالبناء للفاعل بأن انقيادهم في الرجوع من شدة سهولته عليه كأنه ناشىء عن فعلهم بأنفسهم اختيارا منهم ، فثبت أنه سبحانه على كل شيء قدير ، فثبت قطعا أنه حكيم ، فثبت قطعا أنه لا إله إلا هو ، وأن كلامه حكيم ، وثبت بتمام قدرته أنه حليم لا يعجل على أحد بالعقاب ، فثبت أنه أرسل الرسل للبشارة بثوابه والنذارة من عقابه ، فثبت أنه أرسل هذا النبي الكريم لما أيده به من المعجزات ، وأظهره على يده من الأدلة الباهرات ، فرجع آخر السورة بكل من الرسالة وإحياء الموتى إلى أولها ، واتصل في كلا الأمرين مفصلها بموصلها ، واللّه الهادي إلى الصواب وإليه المرجع والمآب .
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 288 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي