تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
وظاهر الكرامات مما يشهد ببركتهم ويمن نقيبتهم بحيث إذا ذموهم توقعوا تكذيب الناس لهم ، أكدوا قولهم :
إِنَّا تَطَيَّرْنا
أي حملنا أنفسنا على الطيرة والتشاوم تطيرا ظاهرا - بما أشار إليه الإظهار بخلاف ما في النمل والأعراف
بِكُمْ
بنسبة ما حل بنا من البلاء إلى شومكم ، لأن عادة الجهال التيمن بما مالوا إليه ويسندون ما حل بهم من نعمة إلى يمنة والتشاوم بما كرهوه ، ويسندون ما أصابهم من نقمة إلى شومه ؛ ثم إنهم استأنفوا استئناف النتائج قولهم على سبيل التأكيد إعلاما بأن ما أخبروا به لا فترة لهم عنه وإن كان مثلهم مستبعدا عند العقلاء :
لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا
أي عن دعائكم هذا
لَنَرْجُمَنَّكُمْ
أي لنشتمنكم أو لنرمينكم بالحجارة حتى تنتهوا أو لنقتلنكم شر قتلة . ولما كان الإنسان قد يفعل ما لا يؤخذ أثره فقالوا معبرين بالمس دون الإمساس :
وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا
أي عاجلا لا من غيرنا كما تقولون أنتم في تهديدكم إيانا بما يحل بنا ممن أرسلكم
عَذابٌ أَلِيمٌ *
حتى تنتهوا عنا لنكف عن إيلامكم
قالُوا
أي الرسل :
طائِرُكُمْ
أي شومكم الذي أحل بكم البلاء
مَعَكُمْ
وهو أعمالكم القبيحة التي منها تكذيبكم . ولما كان لم يبد منهم غير ما يقتضي عند النظر الصحيح التيمن والبركة ، وهو التذكير باللّه الذي بيده الخير كله ، أنكروا عليهم تطيرهم منهم على وجه مبين أنه لا سبب لذلك غيره فقالوا :
أَ إِنْ ذُكِّرْتُمْ
أي الأجل إن حصل لكم تذكير باللّه تطيرتم بنا ؟ ولما كان ذلك لا يصح أن يكون سببا للتطير بوجه ، أضربوا عنه منبهين لهم على أن موضع الشوم إسرافهم لا غير فقالوا :
بَلْ
أي ليس الأمر كما زعمتم في أن التذكير سبب للتطير بل
أَنْتُمْ قَوْمٌ
أي غركم ما آتاكم اللّه من القوة على القيام فيما تريدون
مُسْرِفُونَ *
أي عادتكم الخروج عن الحدود والطغيان فعوقبتم لذلك . ولما كان السياق لأن الأمر بيد اللّه ، فلا هادي لمن أضل ولا مضل لمن هدى ، فهو يهدي البعيد في البقعة والنسب إذا أراد ، ويضل القريب فيهما إن شاء ، وكان بعد الدار ملزوما في الغالب لبعد النسب ، قدم مكان المجيء على فاعله بيانا لأن الدعاء نفع الأقصى ولم ينفع الأدنى فقال :
وَجاءَ مِنْ أَقْصَا
أي أبعد - بخلاف ما مر في سورة القصص ؛ ولأجل هذا الغرض عدل عن التعبير بالقرية كما تقدم وقال :
الْمَدِينَةِ
لأنها أدل على الكبر المستلزم لبعد الأطراف وجمع الأخلاط . ولما بين الفاعل بقوله :
رَجُلٌ
بين اهتمامه بالنهي عن المنكر ومسابقته إلى إزالته كما هو الواجب بقوله :
يَسْعى
أي يسرع في مشيه فوق المشي ودون العدو حرصا على نصيحة قومه . ولما تشوفت النفس إلى الداعي إلى إتيانه ، بينه بقوله :
قالَ
واستعطفهم بقوله :
يا قَوْمِ
وأمرهم بمجاهدة النفوس بقوله :
اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ *
أي في عبادة اللّه وحده