ألفا ، وهو في الطبراني الكبير عن أبي أمامة رضي اللّه عنه أن رجلا سأل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فذكر عدد الرسل فقط ، وكانت عقول العرب لا تسع بوجه قبل الإيمان أنهم منه ، أقسم سبحانه ظاهرا أنه منهم ورمزا للأصفياء باطنا إلى أنهم منه ، بجعلهم عدد أسماء حروف اسمه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الذي رمز إليه بالحرفين أول السورة ، فكأنه قال : إنك يا ياسين الذي تأويله محمد الذي عدد أسماء حروفه بعددهم لأصلهم ، فصار رمزا في رمز ، وكنزا نفيسا داخل كنز ، وسرا من سر ، وبرا إلى بر ، وهو أحلى في منادمة الأحباب من صريح الخطاب ، ثم علق باسم المفعول قوله :
عَلى صِراطٍ
أي طريق واسع واضح
مُسْتَقِيمٍ *
أي أنت من هؤلاء الذين قد ثبت لهم أنهم عليه ، وهو الصراط المستقيم الأكمل المتقدم في الفاتحة لأنه لخواص المنعم عليهم ولقوله تعالى في حق موسى وهارون عليهما السّلام
وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
فيكون تنوينه - بما أرشد إليه القسم والتأكيد - للتعظيم ، والمعنى أنهم قد ثبت لهم هذا الوصف العظيم وأنت منهم بما شاركتهم فيه من الأدلة ، فليس لأحد أن يخصك من بينهم بالتكذيب .
وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير : لما أوضحت سورة سبأ وسورة فاطر من عظيم ملكه تعالى وتوحده بذلك وانفراده بالملك والخلق والاختراع ما تنقطع العقول دون تصور أدناه ، ولا تحيط من ذلك إلا بما شاء ، وأشارت من البراهين والآيات إلى ما يرفع الشكوك ويوضح السلوك مما كانت الأفكار قد خمدت عن إدراكها ، واستولت عليها الغفلة فكانت قد جمدت عن معهود حراكها ، ذكر سبحانه بنعمة التحريك إلى اعتبارها بثنائه على من اختاره لبيان تلك الآيات ، واصطفاه لإيضاح تلك البينات ، فقال تعالى
يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
ثم قال
لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ
فأشار سبحانه إلى ما تثمر نعمة الإنذار ، ويبعثه التيقظ بالتذكار ؛ ثم ذكر علة من عمي بعد تحريكه وإن كان مسببا عن الطبع وشر السابقة
لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ
الآيات ؛ ثم أشار بعد إلى أن بعض من عمي عن عظيم تلك البراهين لأول وهلة قد يهتز عند تحريكه لسابق سعادته فقال تعالى :
إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى
فكذلك نفعل بهؤلاء إذا شئنا هدايتهم
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ
ثم ذكر دأب المعاندين وسبيل المكذبين مع بيان الأمر فقال
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ
- الآيات ، واتبع ذلك سبحانه بما أودع في الوجود من الدلائل الواضحة والبراهين فقال
أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ
الآية ، ثم قال
وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها
إلى قوله :
أَ فَلا
تشكرون ثم قال
وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ
وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
ثم قال
وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ
إلى قوله :
إِلى حِينٍ
ثم