تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
وَما
أي والحال أنه ما
يُبْدِئُ الْباطِلُ
أي الذي أنتم عليه وغيره في كل حال حصل فيه تفريعه على مر الأيام
وَما يُعِيدُ *
بل هو كالجماد لا حركة به أصلا ، لأنه مهما نطق به صاحبه في أمره بعد هذا البيان افتضح ، فإن لم ترجعوا عنه طوعا رجعتم وأنتم صغرة كرها ، والحاصل أن هذا كناية عن هلاكه بما يهز النفس ويرفض الفكر بتمثيله بمن انقطعت حركته ، وذهبت قوته ، حتى لا يرجى بوجه .

[ سورة سبإ ( 34 ) : الآيات 50 إلى 53 ]

قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ ( 50 ) وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ ( 51 ) وَقالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ( 52 ) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ( 53 ) ولما لم يبق بعد هذا إلا أن يقولوا عنادا : أنت ضال ، ليس بك جنون ولا كذب ، ولكنك قد عرض لك ما أضلك عن المحجة ، قال :
قُلْ
أي لهؤلاء المعاندين على سبيل الاستعطاف بما في قولك من الانصاف وتعليم الأدب :
إِنْ ضَلَلْتُ
أي عن الطريق على سبيل الفرض
فَإِنَّما أَضِلُّ
ولما كان اللّه تعالى قد جعل العقل عقلا يمنع من الخطأ وينهى عن الهوى ، وكان الغلط لا يأتي إلا من شواغل النفس بشهواتها وحظوظها ، فكان التقدير : بما في نفسي من الشواغل العاقلة للعقل ، قال مشيرا إلى ذلك :
عَلى نَفْسِي
أي لأن الضلال إذا استعلى على شيء ظهر أمره فيتبين عواره فيلزم عاره ، ويصير صاحبه بحيث لا يدري شيئا ينفع ولا يعيد ، ولذلك يصير يفزع إلى السفه والمشاتمة كما وقع في مذاهبكم كلها ، لأن اللّه تعالى جعل العقول الصحيحة معيارا على ذلك ، فمهما ذكرت طرق الحق وحررت ظهر أمر الباطل وافتضح . ولما كانت النفس منقادة بل مترامية نحو الباطل ، عبر في الضلال بالمجرد ، وفي الهدى بالافتعال إشارة إلى أنه لا بد فيه من هاد وعلاج ، وعبر بأداة الشك استعمالا للانصاف فقال :
وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِما
أي فاهتدائي إنما هو بما
يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي
أي المحسن إليّ لا بغيره ؛ فلا يمكن فيه ضلال لأنه لاحظ فيه للنفس أصلا ، فلا يقدر أحد على شيء من طعن في شيء منه ، وهداي لنفسي ، فالآية ظاهرها التنزل منه وباطنها إرشادهم إلى تسديدهم النظر وتقويمه وتهذيب الفكر وتثقيفه ، وهي من الاحتباك : حذف أولا كون الضلال من نفسه بما دل عليه ثانيا من أن الهدى من الوحي ، وثانيا كون الهدى له بما دل عليه من كون الضلال عليه ، ثم علل الضلال والهدى بقوله :
إِنَّهُ
أي ربي
سَمِيعٌ قَرِيبٌ *
أي لا يغيب عنه شيء من حال من يكذب عليه ، فهو جدير بأن يفضحه كما فضحكم في جميع ما تدعونه ولا يبعد عليه شيء ليحتاج في إدراكه إلى تأخير لقطع مسافة أو