ولما تبين من سؤالهم أنه لم يكن للاسترشاد وإن هم بالغوا به في التكذيب والاستهزاء بعد الإبلاغ في إقامة الأدلة ، أمره بأن يجيبهم بما يصلح للمعاند من صادع التهديد بقوله :
قُلْ لَكُمْ
أي أيها الجامدون الأجلاف الذين لا يجوزون الممكنات ، ولا يتدبرون ما أوضحها من الدلالات ، مع ضعفهم عن الدفاع ، والمغالبة والامتناع
مِيعادُ يَوْمٍ
أي لا تحتمل العقول وصف عظمه لما يأتي فيه من العقاب سواء كان يوم الموت أو البعث . ولما كان تعلق النفوس بالمهلة عظيما ، قال :
لا تَسْتَأْخِرُونَ
أي لا يوجد تأخركم ولا يمكن أن يطلب لحثيث الطلب وتعذر الهرب عند
ساعَةً
لأن الآتي به عظيم القدرة محيط العلم ، ولذلك قال :
وَلا تَسْتَقْدِمُونَ
أي لا يوجد تقدمكم لحظة فما دونها ولا تتمكنون من طلب ذلك .
ولما دل سبحانه بملازمتهم للاستهزاء بهذا الإنذار على أنهم غير منفكين عن مذاهب الكفار ، ذكر تصريحهم بذلك وحالهم في بعض الأوقات المنطبقة عليها الآية السالفة في قوله :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
حيث عبر بالموصول وصلته في موضع الضمير ، واكتفى بالماضي هنا لصراحته في المقصود وكفايته في الحكم بالكفر ، فقالوا مؤكدين قطعا للأطماع عن دعائهم :
لَنْ نُؤْمِنَ
أي نصدق أبدا ، وصرحوا بالمنزل عليه صلّى اللّه عليه وسلّم بالإشارة فقالوا :
بِهذَا الْقُرْآنِ
أي وإن جمع جميع الحكم والمقاصد المضمنة لبقية الكتب
وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ
أي قبله من الكتب : التوراة والإنجيل وغيرهما . بل نحن قانعون بما أدبنا به آباؤنا ، وذلك أن بعض أهل الكتاب أخبروهم أن صفة هذا النبي عندهم في كتبهم ، فأغضبهم ذلك فقالوه :
وَلَوْ
أي والحال أنك
تَرى
أي يوجد منك رؤية لحالهم
إِذِ
هم - هكذا كان الأصل ، ولكن أظهر الوصف تعميما وتعليقا للحكم به فقال :
الظَّالِمُونَ
أي الذين يضعون الأشياء في غير محالها فيصدقون آباءهم لإحسان يسير مكدر بغير دليل ، ولا يصدقون ربهم الذي لا نعمة عندهم ولا عند آبائهم إلا منه ، وقد أقام لهم أدلة العقل بما ضرب لهم من الأمثال في الآفاق وفي أنفسهم ، والنقل بهذا القرآن المدلول على صدقه بعد إظهار المعجزات المحسوسات بعجزهم عنه ، فكأنهم سمعوه من اللّه المنعم الحق
مَوْقُوفُونَ
أي بعد البعث بما يوقفهم من قدرته بأيدي جنوده أو بغيرها بأيسر أمر منه سبحانه قهرا لهم وكرها منهم :
عِنْدَ رَبِّهِمْ