تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 18

مساهمون:

ص١٨
فيه ويجازي على مثاقيل الذر من أعماله ، ولعله عبر عن الحساب بالتنبئة لأن العلم بالعمل سبب للمجازاة عليه أو لأنه جمع القسمين ، ومحاسبة السعيد العرض فقط بدلالة التضمن ومحاسبة الشقي بالمطابقية .

[ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 16 إلى 18 ]

يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ( 16 ) يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ( 17 ) وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ( 18 ) ولما فرغ من تأكيد ما قاله لقمان عليه السّلام في الشكر والشرك فعلم ما أوتي من الحكمة ، وختمه بعد الوصية بطاعة الوالد بذكر دقيق الأعمال وجليلها ، وأنها في علم اللّه سواء ، حسن جدا الرجوع إلى تمام بيان حكمته ، فقال بادئا بما يناسب ذلك من دقيق العلم ومحيطه المكمل لمقام التوحيد ، وعبر بمثقال الحبة لأنه أقل ما يخطر غالبا بالبال ، وهي من أعظم حاث على التوحيد الذي مضى تأسيسه :
يا بُنَيَّ
متحببا مستعطفا ، مصغرا له بالنسبة إلى حمل شيء من غضب اللّه تعالى مستضعفا :
إِنَّها
أي العمل ، وأنث لأنه في مقام التقليل والتحقير ، والتأنيث أولى بذلك ، ولأنه يؤول بالطاعة والمعصية والحسنة والسيئة
إِنْ تَكُ
وأسقط النون لغرض الإيجاز في الإيصاء بما ينيل المفاز ، والدلالة على أقل الكون وأصغره
مِثْقالَ
أي وزن ، ثم حقرها بقوله :
حَبَّةٍ
وزاد في ذلك بقوله :
مِنْ خَرْدَلٍ
هذا على قراءة الجمهور بالنصب ، ورفع المدنيان على معنى أن الشأن والقصة العظيمة أن توجد في وقت من الأوقات هنة هي أصغر شيء وأحقره - بما أشار إليه التأنيث . ولما كان قد عرف أن السياق لماذا أثبت النون في قوله مسببا عن صغرها :
فَتَكُنْ
إشارة إلى ثباتها في مكانها . وليزداد تشوف النفس إلى محط الفائدة ويذهب الوهم كل مذهب لما علم من أن المقصد عظيم بحذف تلك النون وإثبات هذه ، وعسّرها بعد أن حقرها بقوله معبرا عن أعظم الخفاء وأتم الإحراز :
فِي صَخْرَةٍ
أي أيّ صخرة كانت ولو أنها أشد الصخور وأقواها وأصغرها وأخفاها . ولما أخفى وضيق ، أظهر ووسع ، ورفع وخفض ، ليكون أعظم لضياعها لحقارتها فقال :
أَوْ فِي السَّماواتِ
أي في أيّ مكان كان منها على سعة أرجائها وتباعد أنحائها ، وأعاد « أو » نصا على إرادة كل منهما على حدته ، والجار تأكيدا للمعنى فقال :
أَوْ فِي الْأَرْضِ
أي كذلك ، وهذا كما ترى لا ينفي أن تكون الصخرة فيهما أو في إحداهما ،
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 18 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي