ولما ثبتت حكمته بما نشاهد من محكم الأفعال وصائب الأقوال ، فثبت بذلك علمه لأن الحكمة لا تكون إلا بالعلم ، وكان الرب الرحيم العليم لا تكمل ربوبيته إلا بالملك الظاهر والأيالة القاهرة التي لا شوب فيها ، ثبت البعث الذي هو محط الحكمة وموضع ظهور العدل ، فكانت نتيجة ذلك : فاللّه يأتي بالساعة لما ثبت من برهانها كما ترون ، فعطف عليه قوله :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا
أي ستروا ما دلتهم عليه عقولهم من براهينها الظاهرة :
لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ
والإخبار عنها باطل .
ولما تقدم من الأدلة ما لا يرتاب معه ، أمره أن يجيبهم برد كلامهم مؤكدا بالقسم على أنه لم يخله من دليل ظاهر فقال :
قُلْ بَلى وَرَبِّي
أي المحسن إليّ بما عمني به معكم من النعم ، وبما خصني به من تنبئتي وإرسالي إليكم - إلى غير ذلك من أمور لا يحصيها إلا هو سبحانه ، فهو أكرم من أن يدعكم من غير أن يحشركم لينتقم لي منكم ، ويقر عيني بما يجازيكم به من أذاكم لي ولمن اتبعني ، فإنه لا يكون سيد قط يرضى أن يبغي بعض عصاة عبيده على بعض ، ويدعهم سدى من غير تأديب ، فكيف إذا كان المبغي عليه مطيعا له ، والباغي عاصيا عليه ، هذا ما لا يرضاه عاقل فكيف بحاكم فكيف بأحكم الحاكمين ؟
لَتَأْتِيَنَّكُمْ
أي الساعة لتظهر فيها ظهورا تاما الحكمة بالعدل والفضل ، وغير ذلك من عجائب الحكم والفصل .
ولما كان الحاكم لا يهمل رعيته إلا إذا غابوا عن علمه ، ولا يهمل شيئا من أحوالهم إلا إذا غاب عنه ذلك الشيء ، وكانت الساعة من عالم الغيب ، وكان ما تقدم من إثبات العلم ربما خصه متعنت بعالم الشهادة ، وصف ذاته الأقدس سبحانه بما بين أنه لا فرق عنده بين الغيب الذي الساعة منه والشهادة ، بل الكل عنده شهادة ، وللعناية بهذا المعنى يقدم الغيب إذا جمعا في الذكر ، فقال مبينا عظمة المقسم به ليفيد حقية المقسم عليه لأن القسم بمنزلة الاستشهاد على الأمر ، وكلما كان المستشهد به أعلى كعبا وأبين فضلا وأرفع منزلة كان في الشهادة أقوى وآكد ، والمستشهد عليه أثبت وأرسخ ، واصفا له على قراءة الجماعة ومستأنفا - وهو أبلغ - على قراءة المدنيين وابن عامر ورويس عن يعقوب بالرفع :
عالِمِ الْغَيْبِ
وقراءة حمزة والكسائي « علام » بصيغة المبالغة كما هو أليق بالموضع .
ولما كنا لقصور علمنا متقيدين بما في هذا الكون مع أن الكلام فيه ، قال مصرحا بالمقصود على أتم وجه :
لا يَعْزُبُ
- أي يغيب ويبعد عزوبا قويا - على قراءة