تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 13

مساهمون:

ص١٣
تقدير الكفر عليهم بحيث لا يقدرون على الانفكاك عنه من جملة محامده بالقدرة والعزة والفهم والعظمة . ويجوز - وهو أقرب - أن يعود « غني » إلى الكافر و « حميد » إلى الشاكر ، فيكون اسم فاعل ، فيكون التقدير : ومن كفر فإنما يكفر على نفسه ؛ ثم سبب عن الجملتين وهما كون عمل كل من الشاكر والكافر لا يتعداه قوله
« فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ »
أي عن شكر الكافر
« حَمِيدٌ »
للشاكر ، والآية على الأول من الاحتباك : تخصيص الشكر بالنفس أولا يدل على حذف مثله من الكفر ثانيا ، وإثبات الصفتين ثانيا يدل على حذف مثلهما أولا .

[ سورة لقمان ( 31 ) : الآيات 13 إلى 15 ]

وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ( 13 ) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ( 14 ) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 15 ) ولما كان الإنسان لا يعرف حكمة الحكيم إلا بأقواله وأفعاله ، ولا صدق الكلام وحكمته إلا بمطابقته للواقع ، فكان التقدير : اذكر ما وصفنا به لقمان لتنزل عليه ما تسمع من أحواله وأفعاله في توفية حق اللّه وحق الخلق الذي هو مدار الحكمة ، عطف عليه قوله :
وَإِذْ
أي واذكر بقلبك لتتعظ وبلسانك لتعظ غيرك - بما أنك رسول - ما كان حين
قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ
ما يدل على شكره في نفسه وامره به لغيره فإنه لا شكر يعدل البراءة من الشرك ، وفيه حث على التخلق بما مدح به لقمان بما يحمل على الصبر والشكر والمداومة على كل خير ، وعلى تأديب الولد ، بسوق الكلام على وجه يدل على تكرير وعظه فقال :
وَهُوَ يَعِظُهُ
أي يوصيه بما ينفعه ويرقق قلبه ويهذب نفسه ، ويوجب له الخشية والعدل . ولما كان أصل توفية حق الحق تصحيح الاعتقاد وإصلاح العمل ، وكان الأول أهم ، قدمه فقال :
يا بُنَيَّ
فخاطبه بأحب ما يخاطب به ، مع إظهار الترحم والتحنن والشفقة ، ليكون ذلك أدعى لقبول النصح
لا تُشْرِكْ
أي لا توقع الشرك لا جليا ولا خفيا ، ولما كان في تصغيره الإشفاق عليه ، زاد ذلك بإبراز الاسم الأعظم الموجب لاستحضار جميع الجلال ، تحقيقا لمزيد الإشفاق . فقال :
بِاللَّهِ
أي الملك الأعظم الذي لا كفوء له ، ثم علل هذا النهي بقوله :
إِنَّ الشِّرْكَ
أي بنوعيه
لَظُلْمٌ عَظِيمٌ *
أي فهو ضد الحكمة ، لأنه وضع الشيء في غير محله ، فظلمه ظاهر من جهات عديدة
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — صفحة 13 | ابراهيم بن عمر البقاعي / عبد الرزاق غالب المهدي